تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥
ما ركبت فيهم ارتكبتم تكذيب قول اللّه تعالى وعدم وثوق ما أخبره تعالى وحاشاهم عن مثل ذلك قيل وأما رواية هذه القصة فقد صححها السيوطي في النواهد قائلا إنها رواية صحيحة مرفوعة من حديث ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما أخرجه أحمد في مسنده وموقوفة على علي وابن مسعود وابن عباس وغيرهم رضي اللّه تعالى عنهم بأسانيد عديدة صحيحة وقال ابن حجر في شرح البخاري لهذه القصة طرق تفيد العلم بصحتها انتهى وأجاب بعضهم بقوله يعني أن ما روي مروي حكاية لما قاله اليهود فبطلانه في نفسه لا ينافي صحة الرواية فاندفع بذلك شبهات كثيرة وإلا فيخالف للأدلة الدالة على عصمة الملائكة عن كل المعاصي لأن قولهم سبحانك ما ينبغي أن نعصيك ناشئ من عدم الاعتماد على قوله لو ركبت فيكم ما ركبت فيهم الخ وهذا لم يصدر من هاروت وماروت فقط حتى يقال إنه لما ركب فيهما الشهوة خرجا عن الملكية بل صدر هذا القول من الملائكة إما كلهم أو أكثرهم كما نطق به صدر هذه الرواية على أنهما ملكان حين صدر هذا القول منهما ينادي عليه سوق القصة أيضا فالجواب بأنهما خرجا عن الملكية إنما يفيد في الجواب عن الاعتراض بأنهما زنيا وشربا الخمر الخ . دون الأول فقد غفل من تصدى لذلك ولو نوقش « 1 » في الجواب المذكور أي أن ما روي مروي حكاية الخ . بأنه لا يدل عليه سوق الحديث لا صريحا ولا التزاما لأمكن الجواب بأنه مخالف للأدلة الدالة على عصمة الملائكة أجمعين لما عرفت من أن فيها تكذيب اللّه منهم فتعارض ظاهرا هذه الرواية الأدلة القاطعة الدالة على عصمة الملائكة وقد عرف في الأصول أن شرط التعارض التساوي ولا يساوي خبر الآحاد للأدلة القاطعة فيترك العمل بها أو يعمل بها بالجواب « 2 » المذكور . قوله : ( ولعله من رموز « 3 » الأوائل وحله لا يخفى على ذوي البصائر ) إشارة إلى جواب قوله : ولعله من رموز الأوائل وحله لا يخفى على ذوي البصائر لعل حل الرمز أن المراد بالملكين العقل النظري والعقل العملي والمرأة المسماة بالزهرة هي النفس الناطقة النيرة الزاهرة في أصل نشأتها وتعرضها لها تعليمهما لها ما يسعدها في النشأة الآخرة وحملها إياهما على المعاصي تحريضها إياهما بحكم الطبيعة المزاجية إلى السفليات المدنسة لجوهرهما وصعودهما إلى السماء بما تعلمت منهما هو عروجها إلى الملأ الأعلى ومخالطتها مع القدسيين
هامش
( 1 ) حيث قال البعض ردا على مولانا أبي السعود حيث قال هذه الرواية باطلة لأنها تخالف الأدلة الدالة على عصمة الملائكة أن هذا مدفوع بأن اللّه تعالى لما ركب فيهما الشهوة خرجا عن الملكية فغلط غلطين الأول أن هذا القول لم يصدر منهما فقط كما ظنه والثاني أن هذا القول صدر منهما حين كونهما ملكين ولم يركب فيهما الشهوة بعد . ( 2 ) وهو أن ما روي مروي حكاية لما قاله اليهود فبطلانه في نفسه لا ينافي صحة الرواية . ( 3 ) قال مولانا خسرو كحل أنهم أشاروا به إلى الترغيب إلى الطاعات والترهيب عن ارتكاب المنهيات فإن الملك باتباعه الشهوة وارتكابه المعصية يهبط عن أوج القبول إلى حضيض الرد والمرأة الدنية برغبتها إلى الطاعة تترقى عن حضيض الرد إلى أوج القبول انتهى واللّه أعلم في كون هذا المعنى حل رموز هذا المبنى .