تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
آخر غير ما ذكرنا لو سلم صحة هذه الرواية توفيقا بين الأدلة يعني أنه لا نسلم صحة هذه الرواية ولو سلم صحتها فليست على ظاهرها ولعله من رموز الأوائل وحله على ما فهم من كلام أرباب الحواشي أن الروح الإنساني بأي معنى أريد وعدم الاطلاع عليه مختار جمهور المتكلمين في حد ذاته كالنور يشاهد به المعقولات والعقل عندنا قوة من قواه يتم به إدراك النفس الناطقة تلك المعقولات وهما عبرا بالملكين لأنهما إذا خليا وطبعهما فهما منبعان لكل خير ونفع معصومان عن كل شر وضر وخصوصا بالتعبير عنهما بهاروت وماروت للتنبيه على كمال استعدادهما للخير والصلاح كما أنهما أصلحهم ولا يبعد أن هاروت أصلح من ماروت لأجل التقديم فالروح عبر عنه بهاروت والعقل عبر عنه بماروت وبهبوطهما إلى الأرض ابتلاء الروح المناسب للتجرد عن العوائق والعلائق بحلوله في الأجسام الظلمانية لتركبها من القوى الشهوانية البهيمية ومن القوى الغضبية السبعية والعقل لكونه من القوى تابعا للروح وما داما في جلباب البدن قد أنزلا من أوج النور الذي كالسماء إلى حضيض الكثافة الذي هو كالأرض وبالمرأة هي النفس الأمارة بالسوء التي هي القوة الشهوانية « 1 » أو المراد بها البدن الذي يعشق الروح عشقا جبليا وهو كالزهرة في الجمال بالنسبة إلى النفس لتوقف كمالها عليه المعبر عن ذلك بعشق الملكين للمرأة الجميلة فاكتسبا بتوسط البدن المعاصي والشرك تحصيلا للذات الحسية الفانية وبعد ذلك يتطهر ذلك البدن باكتساب الحسنات التي تذهب السيئات بعد التوبة النصوح التي هم كالاسم الأعظم بسبب انتصاحها بنصحهما واللّه اعلم قال القاشاني التأويل أن شياطين الإنس هم المتمردون الأشرار الأقوياء من العصاة وشياطين الجن هم النفوس الأرضية المظلمة القوية والأوهام والتخيلات المحجوبة عن نور الروح القاضية لأمر العقل والشرع المتمردة عن طاعة القلب وما كفر سليمان بإسناد التأثير إلى غير اللّه والملكان هما العقل النظري والعقل العملي إذا احتجبا عن نور الحق بالميل إلى النفس والطبيعة وانتكسا في بئر الطبيعة لتوجههما إليهما باستجذاب النفس إياهما إليهما ببابل الصدر فعذبا بضيق المكان بين ابخرة حب الجاه وادخنة نيران الشهوات وابتليا بأنواع المتخيلات والموهومات الباطلة من السحر والطلسم والنيرنج وعمل الحيل والشعوذة وأشباه ذلك وقولهما
إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ
[ البقرة : 102 ] إشارة إلى بقية الملكوتية وقوة سنخها النورية فيهما فإن العقل دائما ينبه صاحبه إذا صحا عن غفلته على المصالح والمفاسد ويميز بينهما وينهى عن الكفر والاحتجاب بين المرء وزوجه وبين الروح والنفس بتكدير القلب باستعمال هذا العلم في المفاسد والمناهي وتصور إسناد التأثير إليه ما يضرهم بزيادة الاحتجاب وغلبة هوى النفس ولا ينفعهم كسائر العلوم في رفع الحجاب وتزكية النفس وتحليتها ما له في الآخرة أي في العالم الروحاني من نصيب لإقباله على العالم السفلي وبعده عن ذلك العالم بتكدر جوهر قلبه ولو آمنوا برؤية الأفعال من اللّه تعالى وألقوا الشرك بنسبة التأثير إلى غيره لشيء يسير في الأرواح الروحية والمواهب الإلهية والفتوحية خير .
هامش
( 1 ) فإن النفس الأمارة قد تطلق على القوة الشهوية كما صرح به في التلويح .