عطف أحد النوعين على الآخر وقيل عطف الخاص على العام إشارة إلى كماله وهذا إذا قيل أراد به نوع منه يكون صحيحا .
قوله : ( أو على ما تتلو ) عطف على السحر أي وما أنزل عطف على ما تتلو أو المعنى
وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ
[ البقرة : 102 ]
وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ
[ البقرة : 102 ] كأنه قيل واتبعوا السحر المدون في الكتب وغيره وهذا يقتضي كون ما أنزل من السحر غير مدون وهو ممنوع وأيضا يوجب كون ما بينهما جملة معترضة ولا يخفى بعده مع أن نكتة الاعتراض خفية وأيضا يحتاج العطف إلى القول بالتغاير الاعتباري على تقدير أو إلى القول بأن ما نزل نوع آخر أقوى من المدون وهذا غير مسلم أيضا ولعل لهذا اخره .
قوله : ( وهما ملكان أنزلا لتعليم السحر ) أسند الإنزال إلى الملكين مع إسناده إلى السحر في النظم الكريم للإشارة إلى أن الإنزال حقيقة وصف الملكين بمعنى المصدر المبني للمفعول لكن إنزالهما مع السحر للتعليم ومن هذا أسند إلى السحر لكونه مقصودا من إنزالهما قوله ( ابتلاء من اللّه تعالى للناس ) للتنبيه من أول الأمر إلى أنهما لم يصدر عنهما كبيرة فضلا عن الكفر وتعذيبهما غير ثابت ومعنى الابتلاء معاملة الامتحان على سبيل الاستعارة التمثيلية كما مر تفصيله في تفسير قوله تعالى :
وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ
[ البقرة : 49 ] وسيجيء أيضا فمن تعلم وعمل به كفر ومن تعلم ولم يعمل به ثبت على الإيمان .
قوله : ( وتمييزا بينه وبين المعجزة ) وذلك لأن السحر شاع في هذا الزمان واستنبط الناس أمورا غريبة وادعوا النبوة وتحدوا بها فبعث اللّه تعالى الملكين لتعليم جنس السحر أو نوعه الذي كثر فيما بينهم ليتمكن سائر الناس من معارضته حتى يتميز للسحر من المعجزة قيل كان في زمن إدريس عليه السّلام وعدم التعيين هو الأحسن لعدم القاطع في تعيينه مع عدم تعلق الغرض .
فعلى هذا يكون
وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ
عطف الخاص على العام ذكره مع دخوله في المعطوف عليه اشعارا بأن هذا النوع من السحر لقوته كأنه خارج عن جنس السحر كقصة المسك في :
وإن تفق الأنام وأنت منهم
البيت .
قوله : أو على ما تتلو فيكون عطفا لأحد نوعي السحر على الآخر .
قوله : وهما ملكان أنزلا لتعليم السحر ابتلاء من اللّه للناس أي امتحانا لهم لتعلمه منهم فمن تعلمه وعمل به كان كافرا ومن تجنبه أو تعلمه لئلا يعمل به ولكن ليتوقاه كان مؤمنا كما ابتلي قوم طالوت بالنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني .
قوله : وتمييزا بينه وبين المعجزة فإن الأمر الخارق للعادة إن صدر من نفس زكية بالتقرب إلى الرحمن مقرونا بدعوى النبوة فهو معجزة وإن صدر من نفس خبيثة بالتقرب إلى الشيطان فهو سحر .