تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 476

مساهمون:

ص٤٧٦
الواجب على التخيير يصدق عليه أنه وجب وكتب ولذلك قيل التخيير بين الواجب وغيره ليس نسخا لوجوبه ) وجه الاحتجاج بها هو أن المذكور في آية القصاص هو القتل العمد لأنه أوجب الدية في قتل الخطأ على ما قاله تعالى
وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً
[ النساء : 92 ] الآية فلما اختص الدية بالقتل الخطأ كذلك العمد مختص بالقتل العمد وهو ممتاز عن القتل خطأ بالقود كما أن القتل الخطأ ممتاز عن القتل العمد بالدية فلما اختص ما يوجب الدية بالقتل الخطأ في النص القطعي كان ما يوجب القصاص غير الخطأ لا محالة وهو العمد فظهر ضعف قوله إذ الواجب على التخيير يصدق عليه أنه وجب وكتب أما أولا فلأنه يستلزم في القتل الخطأ التخيير بين أخذ الدية وبين القصاص بعين ما ذكره وإلا فما الفرق بينهما وأما ثانيا فلأنه حينئذ لا يتميز الواجب على التعيين عن الواجب على التخيير فلا بد من قاعدة بها يمتاز أحدهما عن الآخر ومما يدل على مذهبنا أن قوله تعالى :
وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
[ البقرة : 179 ] يدل على أن موجب العمد هو القصاص فقط كما سيجيء الحد ولهما أن يستترا بستر اللّه فلا يعرفا والفرق أن ذلك حق الآدمي وأما الجواب عن السؤال الثاني فهو أن ظاهر الآية يقتضي إيجاب التسوية في القتل والتسوية في القتل صفة للقتل وإيجاب الصفة للقتل يقتضي إيجاب الذات فكانت الآية مفيدة لإيجاب القتل من هذا الوجه . قوله : إذ الواجب على التخيير الخ معنى التخيير مستفاد من قوله تعالى متصلا
فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ
الآية . قوله : ولذا قيل التخيير بين الواجب وغيره ليس نسخا لوجوبه هذا مثل التخيير بين غسل الرجل وبين المسح على الخف فإنه ليس بناسخ لوجوب غسل الرجل فكذا ههنا خير بين القصاص الواجب والعفو الغير الواجب فإن هذا التخيير لا ينسخ وجوب القصاص نعم ينسخ التخيير حرمة الواجب لا وجوبه فإن المخير بين الواجب وغيره لو لم يفعل ذلك الغير بقي الواجب على أصل وجوبه قال الإمام إن الذين قالوا موجب العمد أحد الأمرين إما القصاص وإما الدية تمسكوا بهذه الآية وقالوا الآية تدل على أن في هذه القضية عافيا ومعفوا عنه وليس ههنا الأولى الدم والقاتل فيكون العافي أحدهما ولا يجوز أن يكون هو القاتل لأن ظاهر العفو هو إسقاط الحق وذلك إنما يتأتى من الولي وهو الذي له الحق على القاتل فصار تقدير الآية فإذا عفى ولي الدم عن شيء يتعلق بالقاتل فليتبع القاتل ذلك العفو بمعروف فصار تقدير الآية إذا حصل العفو للقاتل عن وجوب القصاص فليتبع القاتل ذلك العافي بالمعروف وليؤد إليه بإحسان وبالإجماع لا يجب أداء غير الدية فوجب أن يكون ذلك الواجب هو الدية وهذا يدل على أن موجب العمد هو القود والمال إذ لم يكن كذلك لما كان المال واجبا عند العفو عن القود ومما يؤكد هذا الوجه قوله تعالى :
ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ
[ البقرة : 178 ] أي إثبات الخيار لكم في أخذ الدية وفي القصاص رحمة عليكم لأن الحكم في اليهود وجوب حتم القصاص وفي النصارى حتم العفو فخفف عن هذه الأمة وشرع لهم التخيير بين القصاص والدية وذلك تخفيف من اللّه ورحمة في حق هذه الأمة لأن ولي الدم قد يكون الدية عنده أثر من القود إذا كان محتاجا إلى المال وقد يكون القود أثر إذا كان راغبا في التشفي ودفع شر القاتل عن نفسه فجعل الخيرة له فيما أحبه رحمة من اللّه في حقه .
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 476 | اسماعيل بن محمد القونوي / عبد الله محمود محمد عمر