تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 479

مساهمون:

ص٤٧٩
بِالْمَعْرُوفِ
[ البقرة : 178 ] الآية والمراد بالمعروف ما علم حسنه في الشرع وهو عدم العنف هنا كما قال فلا يعنف والأداء بالإحسان إن لم يمطل ولا يؤخر عن وقت الأداء ولا يبخس ولا ينقص من المسمى حين الصلح وإنما اختير في وصية العافي المعروف والإحسان في وصية المعفو عنه إذ الإحسان يناسب الأداء لأنه الإعطاء والمعروف وهو عدم تجاوز الحد يناسب الطلب . قوله : ( وفيه دليل على أن الدية أحد مقتضى العمد ) نقل عن المعالم أنه ذهب أكثر العلماء من الصحابة والتابعين إلى أن ولي الدم إذا عفى عن القصاص فله أخذ الدية « 1 » وإن لم يرض به القاتل وقال قوم لا دية إلا برضى القاتل وهو قول الحسن والنخعي وأصحاب الرأي انتهى كان المص مال إلى قول أكثر العلماء ولم يلتفت إلى المفتي به في مذهب الشافعي رحمه اللّه تعالى . قوله : ( وإلا لما رتب الأمر بأدائها على مطلق العفو ) أراد مطلق العفو العفو الشامل للعفو عن كل الدم وبعضه بناء على أن تنوين شيء للإبهام والتنكير كما أشار إليه بقوله أي بشيء من العفو أي شيء كان كله أو بعضه فترتب الأمر على مطلق العفو بلا شرط رضى القاتل دليل على أن الدية أحد مقتضى العمد وأنت خبير بأن التنوين يحتمل أن يكون للتقليل والتحقير كما أشرنا إليه فحينئذ يكون الأمر بالأداء مرتبا على بعض العفو وهو بعض الأولياء فحينئذ يصير الباقي مالا سواء رضي القاتل أو لا فلسائر الأولياء سوى العافي أن قوله : وفيه دليل على أن الدية أحد مقتضى العمد وهذا مذهب الشافعي أخذ هذا المعنى من ترتيب الأمر بأداء الدية المستفاد من الفاء في قوله عز وجل
فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ
[ البقرة : 178 ] على مطلق العفو المدلول عليه بقوله تعالى :
فَمَنْ عُفِيَ لَهُ
[ البقرة : 178 ] وإطلاقه من حيث إنه لم يقيد بالمال فحاصل معنى قوله تعالى :
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى
[ البقرة : 178 ] إن القصاص واجب بسبب القتل على القاتل فالقتل هو الذي أوجب القصاص ومحصل معنى قوله
فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ
[ البقرة : 178 ] أنه إذا عفي ولي الدم عن القصاص تجب الدية على القاتل فهو صريح في أن موجب العمد أحد الأمرين القصاص أو الدية فبين الآيتين تناف وفي تقرير المذهبين اضطراب ولعل أبا حنيفة رحمه اللّه يأول الآية بالعفو على الدية برضى الجاني فإنه حينئذ يأخذ الدية وأما الشافعي فلما لم يعتبر رضى الجاني في العفو لزمه أن يفرق بين العفو على الدية وعلى غيرها فقيل إن الشافعي يقول إن عفى ولي الدم عن القصاص فإن عفى مطلقا لم تجب الدية على الجاني وإن عفى على شيء فإن عفى على الدية تجب الدية عليه سواء رضي الجاني أو لم يرض وإن عفى على حال آخر لم يجب بدون رضاه وأما أبو حنيفة رحمه اللّه فيقول إن عفى على الدية يجب الدية إن رضي الدية .
هامش
( 1 ) وقيل لما انقلب حق باقي الورثة في الصورة المذكورة من القصاص إلى الدية قال تعالىفَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِوفيه ما لا يخفى لأنه مع ما فيه من تخصيص الحكم بباقي الورثة لا يتناول العفو بالبدل وأيضا لا يتناول في صورة عفو الجميع وما ذكرناه عام لأنه يصدق على باقي الورثة أنه هو العافي بالبدل فتأمل .
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 479 | اسماعيل بن محمد القونوي / عبد الله محمود محمد عمر