تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 471

مساهمون:

ص٤٧١
قوله : ( فأمرهم أن يتباؤوا ) فأمرهم أي أمر من لهم فضل أن يتباؤوا أي يتقاصوا في قتالهم على السواء فيقتل الحر بالحر والعبد بالعبد والعكس كذلك قيل والصواب أن يتباؤوا بوزن يتقابلوا مهموزا من البوأ بمعنى المساواة ويتباؤوا صحيح أيضا بأن حذفوا الهمزة للتخفيف . قوله : ( ولا تدل على أن لا يقتل الحر بالعبد والذكر بالأنثى ) أي الآية لا تدل ابتداء كلام لا عطف على قوله كان في الجاهلية إذ لا جامع بينهما . قوله : وأمرهم أن يتباؤوا أي يتساووا من باء فلان بفلان صار كفوا له والبواء السواء . قوله : ولا يدل على أن يقتل الحر بالعبد والذكر بالأنثى اعلم أن لهذه الآية منطوقا ومفهوما ومنطوقها أن يقتل الحر بدل الحر والعبد بدل العبد والأنثى بدل الأنثى ومفهومها التساوي في الحرية والرقية والذكورة والأنوثة والآية بالنظر إلى منطوقها لا دلالة لها على اشتراط التساوي في القود ولا يعمل بمفهومها بأن يحكم باشتراط التسوية نظرا إلى مفهومها لأن العمل بالمفهوم إنما يكون فيما إذا لم يظهر للتخصيص غرض سوى اختصاص الحكم وقد بين الغرض من التخصيص هنا ببيان سبب النزول وهو الزجر والمنع عما كانوا يفعلونه في الجاهلية فعلى هذا الاستدلال لمالك والشافعي رحمهما اللّه بالآية على منع قتل الحر بالعبد والذكر بالأنثى فليست الآية سندا لمنعهما بل سند منعهما عن ذلك ما روى علي رضي اللّه عنه وما عمل أبو بكر وعمر رضي اللّه عنهما والقياس على الأطراف فإن القصاص في الأطراف لا يجري إلا بين حرين أو حرتين ولا يجري بين الذكر والأنثى ولا بين الحر والعبد قال المص وإنما منع مالك والشافعي رحمهما اللّه قتل الحر بالعبد واقتصر عليه حيث لم يقل قتل الحر بالعبد والذكر بالأنثى كما قال صاحب الكشاف عن عمر بن عبد العزيز والحسن البصري وعطاء وعكرمة وهو مذهب مالك والشافعي أن الحر لا يقتل بالعبد والذكر بالأنثى لأن مالكا والشافعي لا يمنعان قتل الذكر بالأنثى وليس ذلك مذهبهما وهو افتراء عليهما وتمام التقرير ما قال الإمام أن في قوله تعالى :
الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى
[ البقرة : 178 ] قولين القول الأول أن هذه الآية تقتضي أن لا يكون القصاص مشروعا إلا بين الحرين وبين العبدين وبين الأنثيين واحتجوا عليه بوجوه الأول أن الألف واللام في قوله :
الْحُرُّ بِالْحُرِّ
[ البقرة : 178 ] يفيد أن يقتل كل حر بالحر فلو كان قتل حر بعبد مشروعا لكان ذلك الحر مقتولا بالحر وذلك ينافي إيجاب أن يكون كل حر مقتولا بالحر الثاني أن يكون الباء من حروف الجر فيكون متعلقا لا محالة بفعل فيكون التقدير الحر يقتل بالحر والمبتدأ لا يكون أعم من الخبر إما أن يكون مساويا له أو أخص وعلى التقديرين فهذا يقتضي أن كل حر مقتولا بالحر وذلك ينافي كون حر مقتولا بالعبد الثالث هو أن اللّه تعالى أوجب في أول الآية رعاية المماثلة وهو قوله :
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى
[ البقرة : 178 ] فلما ذكر عقيبه الحر بالحر والعبد بالعبد خرج مخرج التفسير لقوله :
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ
[ البقرة : 178 ] على الحر في القتلى وإيجاب القصاص على الحر بقتل العبد إهمال لرعاية التسوية في هذا المعنى فوجب أن لا يكون مشروعا فإن احتج الخصم بقوله تعالى :
وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ
[ المائدة : 45 ] فجوابنا أن الترجيح معنا من وجهين أحدهما أن قوله
وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ
[ المائدة : 45 ] شرع لما قبلنا والآية التي تمسكنا مشتملة على إحكام النفوس على التفصيل والتخصيص ولا شك أن الخاص مقدم على العام ثم قال أصحاب هذا القول مقتضى هذه الآية أن لا يقتل العبد إلا بالعبد والأنثى إلا بالأنثى إلا أنا خالفنا هذا الظاهر لدلالة الإجماع وللمعنى
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 471 | اسماعيل بن محمد القونوي / عبد الله محمود محمد عمر