لرد المشركين في تحريم ما أحل اللّه من البحيرة والسائبة ونظائرهما وتحليلهم ما حرم اللّه تعالى من هذه المذكورات كأنهم قالوا تلك حرمت علينا لكن أحلت فقيل لهم ما حرم عليكم إلا هذه فهو قصر قلب كما هو أصل إنما فليس المراد قصر الحرمة على ما ذكر مطلقا حتى يرد الإشكال على الحصر بل مقيد بقيد ما استحلوه « 1 » أي اعتقدوه حلالا والقرينة كون المشركين مستحلين ما ذكر وهذا بناء على أنه للكفار سواء كان الخطاب لهم أو للناس باعتبار دخول المشركين فيهم وأما كونه بناء على أنه للمؤمنين تحريمهم لذائذ الأطعمة النفيسة والقصر قصر افراد فضعيف لأن تحريمهم لأجل كف النفس عن تناوله تزهدا وكسرا للنفس ولذا يعد يمينا وقد صدر من صدر الكائنات تحريم الحلال بهذا المعنى لا اعتقاد حرمة تلك الأطعمة حتى تكون هذه الآية مسوقة لرد اعتقاد الشركة فيكون قصر أفراد وهذا ذنب عظيم يحتاج إلى استغفار فخيم والموقوذة والمنخنقة والمتردية والنطيحة داخلة في الميتة فلا إشكال بأنه بعد تقييده بما استحلوه لا حصر أيضا لبقاء مثل المنخنقة الخ .
قوله : ( أو قصر حرمته على حال الاختيار كأنه قيل إنما حرم عليكم هذه الأشياء ما حرم عليكم إلا هذه الأشياء لا هذه مع لذائذ المطاعم ورفيع الملابس وإن كان المخاطبون به الكفار وهم اعتقدوا حل هذه المذكورات في الآية وحرمة بعض ما أحله اللّه كالسائبة والحام والوصيلة كان القصر قصر قلب لقلب ما في اعتقادهم فكأنهم قالوا المحرم لنا ذاك لا هذه المذكورات فقيل لا بل المحرم هذه لا ذاك فالقصر بالنسبة إلى المؤمنين قصر إفراد وبالنسبة إلى الكافرين قصر قلب .
قوله : أو قصر حرمته على حال الاختيار هذا جواب ثان عن السؤال فعلى هذا يكون المقصور عليه حال الاختيار والمقصود حرمة هذه الأشياء والمعنى ما حرمت عليكم هذه الأشياء إلا إذا كنتم مختارين لا مضطرين فإنها يباح أكلها حال الاضطرار يدل عليه قوله عز وجل
فَمَنِ اضْطُرَّ
[ البقرة : 173 ] الآية وجه اندفاع السؤال به أن المقصور عليه في إنما هو الجزء الأخير من أجزاء الكلام فإن المقصور عليه حينئذ حال الاختيار والسؤال إنما يرد لو كان المقصور عليه هذه المذكورات كما أنه كذلك في الوجه الأول لكن وجب أن يقدر حال الاضطرار في آخر الكلام لأن المقصور عليه في إنما هو الجزء الأخير من أجزاء الكلام فإن المقصور عليه في قولك إنما جاءني زيد هو زيد أي لا غيره وفي قولك إنما جاء زيد راكبا هو راكبا أي لا ماشيا وفي قولك إنما جاء زيد راكبا يوم الجمعة هو يوم الجمعة أي لا في غير يوم الجمعة قال صاحب المفتاح والسبب في إفادة إنما معنى القصر هو تضمينه معنى ما وإلا ولذلك تسمع المفسرين لقوله تعالى :
إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ
[ البقرة : 173 ] بالنصب يقولون معناه ما حرم عليكم إلا الميتة والدم وهو الموافق لقراءة الرفع المقتضية لانحصار التحريم على الميتة والدم بسبب أن في قراءة الرفع يكون ما موصولا صلته حرم عليكم واقعا اسما لأن ويكون المعنى أن المحرم عليكم الميتة والدم وقد سبق أن قولنا المنطلق زيد وزيد المنطلق كلاهما يقتضي انحصار الاطلاق على زيد وترى أئمة النحو يقولون إنما تأتي إثباتا لما يذكر بعدها ونفيا لما سواه إلى هنا كلامه لكن القرينة الحالية فيما
هامش
( 1 ) كأنه قيل الحرام مما استحلوه هذه المذكورات وما عداها باق على الحل .