قوله : ( وفيه دليل على المنع من اتباع الظن رأسا ) لأن العلم مقابل للظن في اللغة وفي عرف الشرع وتعميمه إلى الظن وغيره اصطلاح الحكماء فيندرج في
ما لا تَعْلَمُونَ
الظن فيجب على العاقل أن لا يقول على اللّه ما لا يعلم وقوعه منه تعالى ولا يعلم اتصافه تعالى به بل يجب أن يطلق على اللّه تعالى ما لا يعلم وقوعه منه تعالى واتصافه به يقينا ولذا منع مشايخنا إطلاق الاسم عليه تعالى ما لم يرد به إذن الشارع والمنع عن اتباع الوهم كالمنجمين « 1 » الذين يفسدون بالدين
قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ
[ التوبة : 30 ]
وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ
[ الشعراء : 227 ] ولقد أضلوا كثيرا من الملوك المسلمين وأما المنع عن أن يقول عليه تعالى ما يعلم عدم وقوعه فمستغن عن التنبيه عليه .
قوله : ( وأما اتباع المجتهد لما أدى إليه ظن مستند إلى مدرك شرعي ) جواب إشكال يرد نقضا على البيان المذكور وهو أن المجتهد يتبع ظنه الحاصل من الأمارات وكذا من قلده فكيف يقال وفيه دليل على المنع عن اتباع الظن فأشار إلى الجواب بأن المجتهد لا نسلم اتباعه للظن بل اتباعه للعلم لأن الإجماع انعقد على أن الحكم المظنون للمجتهد يجب العمل به وكل حكم يجب العمل قطعا يعلم أنه حكم اللّه قطعا وإلا لم يجب العمل به فقد أفضى ظنه بالإجماع إلى العلم به وخلاصته أن الظن كان في طريق تحصيله ثم بواسطة الإجماع على وجوب العمل قطعا صار المظنون معلوما وانقلب الظن بالعلم فإن قيل كيف انقلب الظن علما بواسطة الإجماع على وجوب العمل مع أنهما متقابلان والظن ما دام باقيا لكونه حاصلا بالأمارة لا يكون علما بالبديهة لأنه يحتمل النقيض والعلم لا يحتمل النقيض فلا يكون الظن علما بالشكل الثاني والصغرى والكبرى مسلمان قلنا المراد انقلابه علما بأن الحكم عند اللّه هذا بالنظر إلى وجوب العمل لا علما بأن الحكم عند اللّه تعالى هذا في نفس الأمر ألا يرى أن المجتهدين قد يختلفون في حكم واحد ويجب على الشيطان لا يأمر إلا بالقبائح لأن اللّه تعالى ذكره بكلمة إنما وهي للحصر قال بعض العارفين إن الشيطان قيد يدعو إلى الخير لكن لغرض أن يجره منه إلى الشر وذلك على أنواع إما أن يجره من الأفضل إلى الفاضل ليتمكن أن يجره من الفاضل إلى الشر وإما أن يجره من الفاضل السهيل إلى الأفضل الأشق ليصير ازدياد المشقة سببا لحصول النفرة عن الطاعة بالكلية .
قوله : وفيه دليل على المنع من اتباع الظن هذا مبني على أن يراد بالعلم المنفي في لا تعلمون العلم الجازم المطابق للواقع ويكون المعنى
وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
قطعا أي ما لا تعلمون علما قطعيا وجه دلالة الآية على ما ذكره أن قوله تعالى :
وَأَنْ تَقُولُوا
[ البقرة : 169 ] الآية داخل فيما أمر به الشيطان فهو من جملة خطوات الشيطان وقد نهى عن ذلك بقوله عز وجل :
وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ
[ البقرة : 168 ] فكأنه قيل ولا تتبعوا ما أمركم به الشيطان لأنه لا يأمر إلا بالسوء والفحشاء
وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
[ البقرة : 169 ] فأفاد أن قول ما لا يقطع به منهي عنه وهذا هو معنى المنع من اتباع الظن .
هامش
( 1 ) ووقع في تاريخ أربع وثمانين بعد المائة والألف ما يتحير منه العاقلون بسبب كذبات المنجمين .