كل واحد منهم العمل بما أدى إليه ظنه وانقلب ظن كل منهم إلى العلم بواسطة الإجماع على وجوب العمل ولو لم يكن المراد بالعلم ما ذكرنا لزم تعدد الحق « 1 » وهو مذهب باطل والحق واحد عند أهل الحق فيكون المراد ما ذكرناه ولا يحتمل النقيض بهذا « 2 » المعنى وإن كان يحتمله بالقياس إلى نفس الأمر هذا توضيح ما قدره قدس سره في أوائل حاشية شرح المختصر .
قوله : ( فوجوبه قطعي ) أي وجوب ما أدى إليه قطعي أي معلوم قطعا لا يحتمل النقيض أصلا لكن بالمعنى الذي ذكرناه ولهذا لا يكفر جاحده « 3 » .
قوله : ( والظن « 4 » في طريقه كما بيناه في الكتب الأصولية ) في طريقه أي في دليله لكونه أمارة مفيدة للظن .
قوله تعالى :
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 170 ]
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ( 170 )
قوله : ( الضمير للناس ) فارتباطه بما قبله بيان حالهم في كفران النعمة حيث أباح قوله : الضمير للناس أي الضمير في لهم وفي اتبعوا للناس المذكور في قوله سبحانه :
يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا
[ البقرة : 168 ] الآية والتعريف في للناس للعهد فإن كان المعهود ما يفهم من قوله
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً
[ البقرة : 165 ] وكان المراد بالأنداد الأصنام كان المراد بالناس وبضميره في لهم المشركين وإن كان المعهود ما يفهم من قوله :
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ
[ البقرة : 159 ] يراد بالناس المذكور وبضميره ههنا اليهود قال الطيبي ويجوز أن يكون التعريف للجنس والخطاب عاما في الكفرة وعليه النظم وبيانه إنما يتبين بتمهيد مقدمة وذلك أن قولهم شكر المنعم واجب معناه أنه تعالى خلق المكلفين ورزقهم ما به يعيشون ويتمتعون ويرتقفون وأوجب عليهم الطاعة شكرا لتلك النعم لقوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
[ البقرة : 21 ] الآيات وأرسل إليهم الرسل ليثبتهم على مكان تلك النعمة ويعلمهم كيفية شكرها من الطاعة والعبادة ثم إن الشيطان احتالهم حتى كفروا نعمة اللّه وأقدموا على تكذيب من دعاهم إلى الشكر ولبسوا ذلك الحق المبين فإذا قال الأنبياء اتبعوا من يرشدكم إلى الهدى ولا تتبعوا من يضلكم عن السبيل
قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا
فلذلك نودي على ضلالهم بالالتفات من الخطاب إلى الغيبة قائلا للعقلاء انظروا إلى هؤلاء الحمقى ماذا يقولون هذا هو التحقيق لأن السورة في بيان إثبات التوحيد والنبوات ووضع الأحكام
هامش
( 1 ) وهو مذهب المصوبة وهم المعتزلة فإنهم يقولون الحق متعدد منوط باجتهاد المجتهد ولا يكون عند اللّه تعالى حق معين فكل حكم اجتهده المجتهد حق وهذا بطء .
( 2 ) لأن العلم بأن الحكم عند اللّه تعالى هذا الحكم بالنسبة إلى وجوب العمل لا يزول أصلا لا حالا ولا مآلا وإنما الزائل العلم بأن الحكم في نفس الأمر هذا عند اللّه إذا لم يكن مطابقا للواقع .
( 3 ) وبهذا سقط الاعتراض بأن كون وجوبه قطعيا يقتضي كفر جاحده مع أن منكر ما ثبت بالقياس لا يكفر .
( 4 ) والمدرك بالفتح بزنة اسم المكان ما يؤخذ منه الحكم وهو المراد بقوله والظن في طريقه قيل وهو من الألفاظ للأصوليين المولدة .