تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 402

مساهمون:

ص٤٠٢
بأنه يلزم الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه فمدفوع بأن ذلك الفصل ليس بأجنبي فإن أحيى كما عرفت من تتمة المعطوف عليه لكن يرد عليه العطف على ما بعد الفاء أنه لا راجع فيه وتقدير به لا يجوز لأن المجرور إنما يحذف إذا جر الموصول بمثله وهو مفقود هنا « 1 » وجوابه أن هذا ليس بمسلم عند المص ولئن سلم ذلك يقال اتسع فيه وحذف الجار عنه وأوصل إليه الفعل وأجري مجرى المفعول به بنفسه ثم حذف ونظيره صرح به المص في قوله تعالى :
وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً
[ البقرة : 48 ] الآية . قوله : ( أو على أحيى فإن الدواب ينمون بالخصب ويعيشون بالحياة ) ولما ورد أن البث المذكور بسبب نزول المطر والعطف عليه يقتضي ذلك أجاب بأن نفس البث وإن كان كما ذكرت لكن الدواب ينمون بالخصب والسعة ويعيشون بالحيا بالقصر المطر وبهذا الاعتبار يصح العطف أخره لضعفه أما أولا فلأن الظاهر من الكلام كون نفس البث بسبب الماء كما أن الإحياء كان بسببه والتمحل المذكور لا يدفع الضعف بل يعطي الصحة ميلا إلى حاصل المعنى وأما ثانيا فلأنه يلزم أن يكون ح من زائدة في الإثبات لأن اللّه تعالى بث كل دابة ولا مساغ للحمل على البيان لعدم تقدم المبين ولا على التبعيض لما عرفت من أنه بث كل دابة إلا أن يقال إن التبعيض بالنظر إلى الأفراد المقدرة الثابتة في علم اللّه تعالى كما ذهب إليه النحرير التفتازاني وينصره قول المص في قوله تعالى
وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ
[ إبراهيم : 34 ] أي بعض ما سألتموه فإن الموجود من كل « 2 » صنف بعض ما في قدرة اللّه تعالى وأيضا قال في تفسير قوله تعالى :
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي
قوله : فإن الدواب ينمون بالخصب ويعيشون بالحيا أي بالمطر لما كان عطفه على أحيا شركه معه في كونه مسببا عن إنزال الماء مثله بين رحمه اللّه وجه كون بث الدواب مسببا عن إنزال الماء وحاصله أن بث الدواب مسبب عن طيب التعيش والنمو وهما مسببان عن الخصب وكثرة النبات وهما مسببان عن إنزال الماء فبث الدواب مسبب بالواسطتين عن إنزال الماء فبهذا صح نظمه مع المسبب عن الإنزال بحرف النسق فكلمة من في
مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ
على تقدير عطفه على أنزل بيانية فإن التقدير حينئذ وما بث من كل دابة وتبعيضية على عطفه على أحيا وقيل زائدة لكن زيادة من في الإثبات لا يجوز عند جمهور النحاة وجوزها الأخفش لكن الوجه التبعيض لأن المبثوث أبدا بعض من كل دابة ويؤيده ما قال صاحب الكشاف في تفسير سورة شورى في قوله عز وجل :
وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ
[ الشورى : 29 ] أنه يجوز أن يكون للملائكة عليهم السّلام مشى مع الطيران فيوصف بالدبيب كما يوصف به الأناسي ولا يبعد أن يخلق اللّه في السماوات حيوانا يمشون فيها مشي الأناسي على الأرض .
هامش
( 1 ) لا يجوز حذف الضمير المجرور بحرف إلا بشروط أن يكون الموصول مجرورا بذلك الحرف وأن يتحد متعلقهما وأن يتعين للربط وأن لا يكون الجار قائما مقام المرفوع كذا في بعض منهوات أبي المسعود . ( 2 ) وبهذا ظهر وجه إيراد كل ولم يجئ من دابة لأن الكل لإحاطة الصنف فكأنه قيل بعض كل صنف كما في الآية المذكورة في سورة إبراهيم .