والأحسن ثم جوز أن يكون من الثانية تبعيضية إذ لم ينزل من السماء كل الماء بل بعضه وكذا المراد بعضه إن جعلت بيانية وكذا المراد بالأرض بعض الأرض إذ لم يحيى كله .
قوله : ( بالنبات ) وفي نسخة بالنباتات فح الفاء التعقيبية بالنظر إلى ابتداء نباته فإنه يكون عقيب الإنزال لكن يتم تلك الحياة في مدة طويلة ولو قيل ثم أحيى به الأرض نظرا إلى تمام الحياة يكون حسنا أيضا واختير حال الابتداء لكونه منشأ لتمامه وإن كان تمامه أظهر دلالة على صانعه « 1 » وإحياء الأرض تهييج القوى النامية وإيجاد نضارتها بأنواع النباتات شبه ذلك بإعطاء الحياة وهي صفة تقتضي الحس والحركة الإرادية في احداث البهجة والنضارة ومطلق الحركة وموتها زوال تلك القوى النامية فأحيى استعارة تبعية والموت استعارة أصلية وفي اختيار الاحياء الذي هو صفته تعالى والموت في الثانية دون الإماتة نكتة دقيقة يعرفها من له سليقة فأحيى به عطف على أنزل ولا يرام له جامع لكون العطف بالفاء على أن الجامع متحقق أما في المسند إليه فظاهر وأما في المسند فلأن الإنزال سبب للإحياء وأما كون كل منهما آية مستقلة على وجوده تعالى ووحدانيته تعالى فقدر مشترك بين جميع المتعاطفات لأنه الغرض المسوق له في الكل .
قوله : ( عطف على أنزل ) تعرض به مع سكوته فيما سبق لأنه يتوهم أنه معطوف على أحيى وفيه فساد المعنى إذ ليس البث مسبب عن الإنزال كالإحياء وسيجيء جواز العطف عليه .
قوله : ( كأنه استدل بنزول المطر وتكون النبات به وبث الحيوانات في الأرض ) مراده أنه إذا عطف على أنزل يكون بث صلة مستقلة فلا يكون من تتمة الصلة الأولى وأما أحيى به الأرض فمن تتمة الصلة الأولى فيكون الإنزال ونزول المطر وتكون النبات وبث الحيوانات دليلا على وحدانيته فيكون الجامع كون كل منهما آية مستقلة « 2 » وأما الإشكال قوله : عطف على أنزل يعني يحتمل أن يكون وبث عطفا على أنزل وعلى أحيا فإذا عطف على أنزل كان المعطوف والمعطوف عليه آيتين أي علامتين دالتين على وجود الصانع وكمال صفاته يعني كما أن إنزال الماء من السماء آية مستقلة دالة على وجود الصانع كذلك بث الدواب في الأرض آية أخرى مستقلة وإذا عطف على إحياء المسبب عن أنزل كان المجموع آية واحدة فحسب قيل الأول أظهر لأن تكثير الآيات مطلوب بدليل الإطناب أما جواز العطف على أنزل مع وجود ما يتوهم أنه مانع عن العطف وهو وجود الفاصل بين المعطوف والمعطوف عليه وهو قوله :
فَأَحْيا
[ البقرة : 164 ] مع ما يتعلق به فلأن قوله :
فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ
[ البقرة : 164 ] من تتمة المعطوف عليه لكونه مسببا عنه بقرينة الفاء التسببية كأنه قيل وما أنزل في الأرض من الماء لأحياها وبث فيها من كل دابة والحاصل أن المانع عن العطف وهو الفصل بالأجنبي وهذا ليس أجنبيا .
هامش
( 1 ) لأن اليبوسة مقتضى طبيعتها بخلاف الحياة فإنها خلاف طبعها فيحتاج إلى ايجادها فيها وللتنبيه على هذه النكتة الأنيقة اختير ما اختير في النظم وإن كان زوال حياتها بإيجاد اللّه تعالى .
( 2 ) قد أشكل في العطف على أنزل لفظا ومعنى بانتفاء الجامع وبلزوم الفصل بين المتعاطفين وأيضا لا عائد فيه إلى الموصول فأشير إلى جواب ذلك الإشكال فلا تغفل .