كاف في تمييزهم بها عن غيرهم ووسط العاطف لاختلاف مفهوم الجملتين هنا وفيه مبالغة من وجوه شتى بناء الكلام على اسم الإشارة للتعليل مع الإيجاز وتكريره وتعريف الخبر وتوسيط الفصل لإظهار قدرهم والتحريض على اقتفاء أثرهم قوله حيث استرجعوا الخ إشارة إلى عليته وفيه تنبيه أيضا على أن المراد بالاهتداء الاهتداء للتسليم حين نزول المصيبة وصدمها لا الاهتداء المطلق فلا إشكال في الحصر المستفاد من تعريف الخبر وضمير الفصل وأما القول بأن المراد الاهتداء للحق والصواب مطلقا لا الاهتداء لما ذكر من الاسترجاع والاستسلام خاصة لما أنه مقدم عليهما فلا بد لتأخيره عما هو نتيجة لهما من داع يوجبه وليس بظاهر فذهول عن الحصر ولا ريب في عدم سداد حصر مطلق الاهتداء عليهم إلا أن يقال إن هذه الأوصاف لا يخلو عنها أحد ما ولو كان متفاوتا بالكمال والنقصان لكن مسلك المص أحسن وأولى ثم قوله وبشر عطف على قوله :
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ
[ البقرة : 155 ] الآية عطف القصة على القصة من غير نظر إلى الخبرية والإنشائية والجامع ظاهر كأنه قيل الابتلاء حاصل لكم وكذا البشارة لكن لمن صبر منكم في توصيف الصابرين كذا قالوا ولا يخفى أن عطف القصة على القصة في جمل متعددة وهنا ليس كذلك فالأولى أنه عطف على محذوف أي إنذار الجازعين وبشر الصابرين ويجوز أن تكون الواو ابتدائية لا عاطفة والجملة مسوقة لوعد الصابرين إثر إخباره بابتلاء المؤمنين .
قوله تعالى :
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 158 ]
إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ ( 158 )
قوله : ( هما علمان للجبلين بمكة ) فيكونان كالنجم والصعق الصفا في الأصل الحجر الأملس الصلب الذي لا يخالطه طين ولا تراب ولا رمل مأخوذ من « 1 » الصفوة وهي الخلوص والمروة الحجر اللين وقيل الحجر الأبيض الذي يبرق ثم جعلا علمين لجبلين بمكة بالغلبة التحقيقية مع اللام كالبيت وفي القرطبي وذكر الصفا لأن آدم المصطفى عليه السّلام وقف عليه فسمي به ووقفت حواء على المروة فسميت باسم المرأة فأنث لذلك انتهى فسمي الجبل بوصفه أو بوصف جالسه .
قوله : ( من اعلام مناسكه جمع شعيرة وهي العلامة ) مناسكه أي متعبداته والمناسك جمع منسك اسم مكان أي من اعلام متعبدات للّه على ما فسره في قوله تعالى :
وَأَرِنا مَناسِكَنا
[ البقرة : 128 ] وأما تفسيره بالمذابح فليس بمناسب هنا والشعائر جمع شعيرة قوله : وهي العلامة قال الإمام وهو مأخوذ من الاشعار الذي هو الإعلام ومنه قولك شعرت بكذا أي علمت فالشعائر إما أن يحمل على العبادات وأعمال الحج أو على مواضع العبادات فالمراد بها على الأول أن الطواف بينهما والسعي من دين اللّه وعلى الثاني ظاهر .
هامش
( 1 ) فيه إشارة إلى أن ألف الصفا عن واو ويدل على ذلك أيضا كون تثنية صفوان .