تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 357

مساهمون:

ص٣٥٧
واحد من دلائله فيذكر المدلول الواحد مرارا في جنب ذكر كل دليل أقيم عليه مع أن الذكر الواحد يكفي في حصول المقصود للتقريب والتقرير فالمراد بالعلة العلة في الخارج وفي نفس الأمر دون العلة في الذهن أو الأعم منه بقرينة التقابل للدلائل قيل وفي كلامه إشارة إلى أن قوله
قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ
[ البقرة : 144 ] إلى قوله
وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ
[ البقرة : 148 ] ومنه إلى قوله :
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ
[ البقرة : 149 ] الآية ومنه إلى قوله :
وَلا تَكْفُرُونِ
[ البقرة : 152 ] كل واحد جمل متعددة مسوقة لإفادة الحكم المعلل منه مشتملة على اعتراضات وتذييلات مفيدة للتأكيد عطف بعضها على بعض عطف القصة على القصة وإن قوله
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ
[ البقرة : 149 ] الثاني ليس معطوفا على ما عطف عليه قوله ومن حيث خرجت الأول فإن الأول معطوف على استبقوا داخل تحت فاء السببية الدالة على ترتيبها على قوله :
وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها
[ البقرة : 148 ] والثاني مع ما عطف عليه معطوف على مجموع قوله
وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ
[ البقرة : 148 ] بل على قوله :
قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ
[ البقرة : 144 ] والدليل على ذلك تعليله بقوله لئلا يكون للناس عليكم حجة انتهى . وضعفه لا يخفى « 1 » . قوله : ( مع أن القبلة لها شأن والنسخ من مظان الفتنة والشبهة ) هذا وجه ثان لتكرار الحكم يعني كرر هذا الحكم اعتناء لشأنه فإنه لما نسخ التوجه إلى بيت المقدس والنسخ من مظان الفتنة والطعن وكثرة المخالفين فيه لعدم الفرق بين النسخ والبداء « 2 » وفي قوله مع أن القبلة الخ حيث ذكر مع الداخل على الأصل والمتبوع إشارة إلى أن هذا الوجه للتكرار أصل راجح فإن الأول خلاف الظاهر إذ التغاير بتعدد العلل اعتباري قلما يعتبره أهل الشرع وأرباب اللغة وإنما هو من تدقيقات الفلاسفة والمتفلسفة . قوله : ( فبالحري أن يؤكد أمرها ويعاد ذكرها مرة بعد أخرى ) قال في سورة المرسلات مع أن التكرير للتوكيد حسن شائع في كلام العرب وقد ذكر في وجه التكرار أن الآية الأولى محمولة على أن يكون الإنسان في المسجد الحرام والثانية محمولة على أن يخرج من المسجد الحرام ويكون في البلد والثالثة محمولة على أن يخرج عن البلد إلى أقطار الأرض لأنه قد يتوهم أن للقرب حرمة لا تثبت للبعد فكرر الآيات لإزالة هذا الوهم انتهى . وهذا وإن سلم في الآيتين الأخيرتين لكن لا يسلم في الآية الأولى لأن الخطاب أولا للرسول عليه السّلام وهو صلّى اللّه تعالى عليه وسلم في المدينة فكيف يصح أن الآية
هامش
( 1 ) فإن قوله من حيث خرجت الأول أن عطف على استبقوا يكون المعنى ولكل أمة قبلة فول وجهك من حيث خرجت وهذا كما ترى إذ كون لكل أمة قبلة لا يترتب عليه الأمر بالتوجه إلى الكعبة فقط على أنه يلزم اجتماع الواو مع الفاء بل اجتماع الفاءين وأيضا لا يلزم تقدير ما في المعطوف عليه في المعطوف كقوله : علفتها تبنا وماء باردا فلم لا يجوز عطف من حيث خرجت الثاني على الأول بهذا الطريق فلا حاجة إلى ما ذكره وغير ذلك مما يظهر بالتأمل الصادق . ( 2 ) حتى قيل إن هذه الواقعة أول الوقائع التي ظهر النسخ فيها في شرعنا فدعت الحاجة إلى التكرير لأجل التوكيد وإزالة الشبهة وإن أمكن المناقشة في كون هذه الواقعة أول النسخ .