تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 352

مساهمون:

ص٣٥٢
خفيا علوا كان أو سفلا حتى إذا كنتم في جوف صخرة ومقعر الأرض أو إن كنتم في محدب السماوات يحشركم اللّه تعالى للجزاء خيرا كان أو شرا لأنه لطيف يصل علمه إلى كل خفي خبير عالم بكنه الأشياء ومن جملة ما تجازون به أمر القبلة فاحذروا عن المشاجرة والمنازعة فيه واتبعوا ما أمركم اللّه تعالى وبملاحظة ما ذكر يظهر الارتباط بما قبله ظهورا باهرا ولقصد المبالغة يفرض الأمور الممتنعة فلا إشكال في فرض كونهم في السماوات وفي جوف صخرة وغيرها ألا يرى أنه تعالى حكى عن لقمان أنه قال
يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ
[ لقمان : 16 ] الآية . قوله : ( يحشركم اللّه إلى المحشر للجزاء ) فالإتيان إتيانهم إلى المحشر في الآخرة وإنما تعرض للجزاء لأنه من لوازم ذلك الإتيان وأطلق ليتناول الخير والشر فلا مجاز في الإتيان إذ إتيان المحشر من أفراد الإتيان . قوله : ( أو أين ما تكونوا من أعماق الأرض وقلل الجبال يقبض أرواحكم ) أي في أي مكان تكونوا من أعماق الأرض الخ . فكلمة من في كلامه بيان الموضع الذي هو فهم من أينما تكونوا قوله يقبض بالجزم فالإتيان بمعنى قبض الأرواح مجازا فإن الإتيان إلى المحشر إنما هو بقبض الأرواح فذكر المسبب وأريد السبب والمعنى فاستبقوا الخيرات قبل فوت الأوقات فإنه
أَيْنَما تَكُونُوا
« 1 »
يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ
[ النساء : 78 ] لا يختص بمكان دون مكان فحينئذ تكون هذه الآية موافقة لقوله تعالى :
أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ
[ النساء : 78 ] فالجملة تذييلية مؤكدة للأمر بالاستباق وفيه تحريض على المسارعة إلى المبرات قبل نزول الموت على الباب إذ الغرض ببيان إدراك الموت ولحوقه في أي مكان كانوا بيان أن إدراكه أمر مقطوع لا خلاص منه جزما فيحصل به الحث على الطاعات قطعا باغتنام الفرصة والتجنب عن الغفلة . قوله : ( أو أينما تكونوا من الجهات المتقابلة يأت بكم اللّه جميعا ويجعل صلواتكم كأنها إلى جهة واحدة ) من الجهات المتقابلة فمنكم من يتوجه إلى يمين الكعبة ومنكم من يتوجه إلى يسارها أو شرقها وغربها يأت بكم اللّه جميعا إلى المحشر ويجعل « 2 » صلواتكم كأنها متوجهة إلى جهة واحدة في حسن القبول والجزاء التام بدون تفاوت في الثواب أخره لاحتياجه إلى
هامش
( 1 ) فيه اقتباس لطيف . ( 2 ) وقيل قوله ويجعل إشارة إلى أن جميعا حال بمعنى مجتمعة في الجهة والاتيان بكم مجاز عن جعل صلاتكم متحدة الجهة انتهى قوله ويجعل صلواتكم كأنها إلى جهة واحدة لا يلائمه كون معنى جميعا مجتمعة في الجهة فإن اتيانهم لا يكون إلا مختلفة الجهات لكونهم في الدنيا كذلك لكن اللّه تعالى بكمال لطفه يجعل صلواتهم كأنها إلى جهة واحدة وأيضا قوله والاتيان بكم مجاز عن جعل صلواتكم متحدة الجهة ضعيف إذ لا علاقة بينهما وأيضا هذا لا يلائم كون معنى جميعا متحدة الجهة فإن مقتضى الجعل خلاف ذلك فالأولى ما ذكر في أصل الحاشية من أن معنى جميعا اتيانهم إلى المحشر جميعا ويقدر ويجعل صلواتكم كأنها إلى جهة بقرينة كون معنى أينما تكونوا من الجهات المتقابلة فيكون من إقامة سبب الجزاء مقام الجزاء فتدبر .
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 352 | اسماعيل بن محمد القونوي / عبد الله محمود محمد عمر