تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 303

مساهمون:

ص٣٠٣
والجهات له تعالى ملكا وإيجادا وتصرفا فلا يختص به تعالى مكان دون مكان لخاصية ذاتية بكونه « 1 » قبلة دون ما عداه وهذا معنى قوله تمنع إقامة غيره أي غير ذلك المكان مقام ذلك المكان قوله لخاصية الخ تعليل للمنفي دون النفي . قوله : ( وإنما العبرة بارتسام أمره لا بخصوص المكان ) والاعتبار لامتثال أمره تعالى وارتسامه بمعنى امتثاله فله أن يأمر عباده بالتوجه إلى أي مكان أراده وإلى أي جهة شاءه . فلهذا أمر بالاستقبال إلى الكعبة أولا ثم أمر به إلى البيت المقدس ثم أمر بعد مدة بالتوجه إلى الكعبة لحكمة دعت ولمصلحة اقتضت وإنكار ذلك من السفاهة والحماقة . قوله : ( وهو ما ترتضيه الحكمة وتقتضيه المصلحة ) أي المراد بالصراط المستقيم والتخصيص به من مقتضيات المقام ولو أريد به الحق القويم بأسره لدخول ما اختاره دخولا أوليا لكان أحسن والمراد بمن من علم اللّه صلاحهم واستقامة أمرهم ففيه تعريض بأن قوله : وهو ما يرتضيه الحكمة ويقتضيه المصلحة من التوجيه الخ وفي الكشاف
يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
[ البقرة : 142 ] وهو ما يوجبه الحكمة والمصلحة من توجيههم تارة إلى بيت المقدس وأخرى إلى الكعبة قال بعض الفضلاء من شراح الكشاف لا يحسن أن يقال هو في قوله وهو ما يوجبه الحكمة والمصلحة عائد إلى صراط لأنه بينه بقوله من توجيههم والتوجيه لا يصدق على الصراط المستقيم حتى يبين هو به لأن التوجيه صفة اللّه بخلاف الصراط بل هو عائد إلى الهداية التي يتضمنها قوله :
يَهْدِي
[ البقرة : 142 ] وتذكيره باعتبار ما والمعنى أن الهداية إلى الصراط المستقيم توجيههم تارة إلى البيت المقدس وأخرى إلى الكعبة على ما توجبه الحكمة والمصلحة ورده بعضهم بأنه على هذا التقدير يلزم أن يكون الصراط المستقيم الكعبة تارة وبيت المقدس أخرى لأن التوجيه هو الهداية إلى أحدهما وفيه نبوة ظاهرة فالوجه أن يعاد الضمير إلى الصراط أي الصراط المستقيم وذلك لأن هدايتهم إلى التوجيه معناها بيان أن الواجب التوجيه وليس بشيء لأن التوجيه فعل اللّه ولا معنى لقوله :
يَهْدِي مَنْ يَشاءُ
إلى فعل نفسه إلا إذا جعل التوجيه بمعنى التوجه ولم يوجد في كلامهم أي لم يوجد في كلامهم استعمال التوجيه في معنى التوجه والنبوة المذكورة مدفوعة بأنه لا بعد في تسميتها صراطا مستقيما باعتبار أن مستقبلهما لا يضل كسالك الطريق المستقيم قيل وفي قوله :
يَهْدِي مَنْ يَشاءُ
[ البقرة : 142 ] إشارة إلى أن جهة من الجهات أو مكانا من الأمكنة لا يخص بكونها قبلة لخاصية ذاتية تمنع إقامة غيرها مقامها بل إنما هو بالأمر فالتحويل والتبديل إذا يكونا تابعين للحكمة والمصلحة أقول قول صاحب الكشاف وهو ما توجبه الحكمة على أصل الاعتزال وهو أن رعاية الأصلح للعبد واجبة على اللّه عندهم ولذا عدل المص عن هذه العبارة إلى قوله وهو ما ترتضيه الحكمة وتقتضيه المصلحة والبحث عن مرجع الضمير في كلام المص جار بعينه حسبما جرى على كلام الكشاف وكذا عدل عن لفظ التوجيه إلى التوجه حيث قال من التوجه إلى بيت المقدس تارة والكعبة أخرى لئلا يرد عليه ما يرد على عبارة الكشاف .
هامش
( 1 ) قوله بكونه قبلة إشارة إلى أن مراد المص بقوله لا يختص به تعالى مكان لا يختص بالقبلة ولا يأمره تعالى بالتوجه إليها مكان دون مكان .
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 303 | اسماعيل بن محمد القونوي / عبد الله محمود محمد عمر