فهو نفي خبر بمعنى النهي وعلى رواية التشديد فهي صريح وتأتوني منصوب على أنه جوابي النهي والتركيب من قبيل لا تأكل السمكة وتشرب اللبن أي لا يكن من الناس الإتيان بالأعمال ومنكم يا بني هاشم الأنساب فإنه لا ينفعكم نسبكم فافعلوا الصالحات في عموم الأوقات والنهي من الجمع باعتبار الجملة الأخيرة ففي الحقيقة نهى الهاشمي عن الإتيان بادعاء النسب بدون الحسب وإنما نهى الجمع الذكور لأنه أشد شناعة وأكثر قباحة ونون الجمع محذوفة من تأتوني بأن المقدرة كما عرفت وإن قيل إن المحذوف نون الوقاية فح بكون تأتوني حالا مقصودة من النهي لكن الأول هو المعول .
قوله : ( ولا تؤاخذون بسيئاتهم كما لا تثابون بحسناتهم ) ولا تؤاخذون بسيئاتهم حمل السؤال على المجاز وهو المؤاخذة لكونها لازمة له إذ السؤال بمعونة المقام سؤال توبيخ وإنما خص السيئات بقرينة مقابلة السؤال لقوله تعالى :
لَها ما كَسَبَتْ
[ البقرة : 134 ] الآية على أن السؤال شائع في مثله سؤال عتاب لا استعلام وثواب والمراد بالسيئات فرطاتهم وذلاتهم فيجوز أن يؤاخذ بها لأن حسنات الأبرار الأخيار سيئات المقربين الأحرار فلا يرد إشكال صاحب الإرشاد وأجاب بعضهم بأن الأمة عامة لبني الأنبياء غير مختصة بهم وإشكال صاحب الإرشاد بناء على التخصيص وليس فليس فالجملة على هذا التقرير تتميم لما قبلها .
قوله تعالى :
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 135 ]
وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 135 )
قوله : ( الضمير الغائب لأهل الكتاب ) فهو عطف على ما قبله عطف القصة على ولهذا أكد بالنون في رواية وتأتوني مجزوم عطف عليه والنون نون الوقاية أيضا ويكون المعنى حينئذ الجمع بين النهيين وليس بمراد أقول بل المراد نهي الجمع لا جمع النهي بأن يلاحظ أولا معنى الجمع المدلول عليه بالواو ثم أورد عليه النفي فيكون المراد نفي الجمع المراد به نهيه أي لا يجتمع عندي اتيان سائر الناس بالأعمال وإتيانكم بالأنساب والغرض تقبيح افتخارهم لديه عليه الصلاة والسّلام بالأنساب حين يأتي الناس بالأعمال .
قوله : ولا تؤاخذون بسيئاتهم يعني أنهم إذا لم يسألوا عنهم فأولى أن لا يؤاخذوا بسيئاتهم ففي العدول عن الأصل مبالغة وقوله كما لا يثابون بحسناتهم ليس في ظاهر الآية ما يدل على هذا القياس لكن مؤدى الكلام ذلك فإن قوله تعالى في جانب النفع :
لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ
[ البقرة : 141 ] يدل على أن أحدا لا يثاب بعمل غيره فجعله مقيسا عليه ثم قال في جانب الضر ولا تسألون عما كانوا يعملون فإنه قائم مقام أن يقال وعليها ما كسبت وعليكم ما كسبتم لكن عدل عنه لما في العدول إليه من المبالغة ما ليس فيه على ما ذكر آنفا فيفيد هذا نظرا إلى أصل الكلام الذي يؤدي هو مؤداه على وجه أبلغ معنى ولا تؤاخذون بسيئاتهم كما أفاده مقابلة معنى لا تثابون بسيئاتهم فقيس مؤدى الآية الثانية على مؤدى الآية الأولى .
قوله : الضمير الغائب وهو واو قالوا لأهل الكتاب جميعا وإنما قال ضمير الغائب لأن ضمير الخطاب في كونوا للمسلمين .