في شأن اليهود المخاطبين فرضي لا تحقيقي قال مولانا أبو السعود أي لكم ما كسبتموه لا ما كسبه غيركم فإن تقديم المسند قد يقصد به قصره على المسند إليه كما قيل في قوله تعالى :
لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ
[ الكافرون : 6 ] وفيه ضعف أما أولا فلأن تقديم المسند كونه مفيدا قصر المسند على المسند إليه ليس بثابت كما لا يخفى على من نظر في المطول وأما ثانيا فلأن ما ذكره منفهم من قوله
لَها ما كَسَبَتْ
فإن معناه كما عرفت ما كسبته الأمة مقصور على الاتصاف بكونه للأمة لا يتخطاها إلى غيرها فيلزم أن لكم ما كسبتموه لا ما كسبه غيركم فيلزم التكرار ثم قال وحمل الجملة الأولى على هذا القصر على معنى أن أولئك لا ينفعهم إلا ما اكتسبوا كما قيل مما لا يساعده المقام إذ لا يتوهم متوهم انتفاعهم بكسب هؤلاء حتى يحتاج إلى بيان امتناعه وحمل الجملة الأولى على هذا القصر غير مقطوع به في كلام صاحب الكشاف لأن ما ذكره حاصل قصر المسند إليه على المسند كما هو مقتضى العبارة والقاعدة لأنه لما كان ما كسبته الأمة مقصورا على الاتصاف بكونه لهم فهم منه إن أولئك ينفعهم ما كسبوه فقط وأما إن أولئك لا ينفعهم إلا ما اكتسبوه فبملاحظة القصر في الجملة الثانية كما أن قوله فكذلك أنتم لا ينفعكم إلا ما اكتسبتم بملاحظة الحصر في الجملة الأولى فالعلامة اعتبر في كل من الجملة الأولى والثانية القصر اللازم من القصر المستفاد من كل منهما أعني قصر المسند إليه على المسند في إحدى الجملتين فإنه يستلزم قصر المسند على المسند إليه في الجملة الأخرى وإنما اختار ذلك لأنه أظهر في التوبيخ وأبلغ في التشنيع ولذهول صاحب الإرشاد عن هذه النكتة الأنيقة الوثيقة مال إلى تلك الشبهة الضعيفة الواهية فكأنه لم ينظر إلى قول العلامة والمعنى أن أحدا لا ينفعه كسب غيره متقدما كان أو متأخرا لأن كسب غيره مقصور نفعه عليه لا يتخطاه غيره فلذا إن أحدا لا ينفعه كسب غيره فوضع المعلول موضع علته فظن أنه ذهب إلى قصر المسند على المسند إليه فكيف يظن أنه مع كونه إماما في العلوم الأدبية أنه اختار قولا مرذولا ورأيا مردودا .
قوله : ( كما قال « 1 » عليه السّلام يا بني هاشم ) تأييد لما ذكره من أن النسب لا ينفع أحدا بلا عمل وكسب .
قوله : ( لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم ) رواية الجمهور بتخفيف النون قوله : لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم الواو في وتأتوني واو الصرف ولذا نصب وتأتوني حذف نون تأتون علامة للنصب وهذه النون نون الوقاية أي لا يكون أعمال الناس وأنسابكم مجتمعين فتأتوني بالأنساب والناس يأتوني بالأعمال وقيل لأتيني نفي في معنى النهي
هامش
( 1 ) قال العرافي لم أقف عليه وكذا قال الإمام الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف لم أجده في الروايات لكن السيوطي قال أخرجه ابن أبي حاتم من مرسل الحكم بن مينا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال يا معشر قريش إن أولى الناس بالنبي المتقون فكونوا أمما بسبيل من ذلك فانظروا أن لا يلقاني الناس يحملون الأعمال وتلقوني بالدنيا تحملونها فأصد عنكم بوجهي وهذا بمعناه كذا قيل .