قوله : ( ومعنى الهمزة فيها الإنكار أي ما كنتم حاضرين إذ حضر يعقوب الموت ) أي معنى الهمزة المتضمنة أم المنقطعة ليس على حقيقة الاستفهام بل للإنكار أي لإنكار وقوع مدخولها وحاصله نفي مدخولها ولهذا قال أي ما كنتم حاضرين إذ حضر يعقوب الموت فإنكم معدومون يومئذ فمن أين علمتم ذلك وتدعون اليهودية على يعقوب مع أن اليهودية حدثت بعد يعقوب عليه السّلام والمراد نفي اليهودية عن يعقوب وإنما لم يتعرض له لظهور أن اليهودية لم تكن في زمنه عليه السّلام ورد ادعاء حضورهم وقت حضور يعقوب الموت وفي قوله أي ما كنتم حاضرين إشارة إلى أن الشهداء جمع شاهد أو شهيد بمعنى الحاضر وإذ ظرف لشهداء ظاهر أو في الحقيقة ظرف للنسبة كما هو مقتضى وضع إذ لأنها وضعت لزمان نسبة ماضية وقع فيه أخرى .
قوله : والهمزة فيها للإنكار إلى قوله فلم تدعون اليهودية عليه فيه نظر لأنهم قالوا لا يجوز أن يحمل الهمزة فيها على الإنكار ردا لادعائهم ذلك إذ هذه الآية منافية لقولهم أوصى يعقوب بنيه باليهودية يوم مات فكيف يقال لهم أم كنتم شهداء في أنهم وشهدوه وسمعوا ما قاله لبنيه وما قالوه في جوابه لظهر لهم حرصه على ملة الإسلام ولما ادعوا عليه اليهودية فلا يصلح الهمزة للرد أو لإنكار وإنما يصلح لذلك لو كان توصية يعقوب لبنيه وجوابهم له مواقعا لادعائهم اليهودية عليه وعلى بنيه بأن قالوا في جوابه يكون على دين اليهود وإذا كان جوابهم منافيا لادعائهم كيف يقال لهم في مقال الرد عليهم والانكار لمقالتهم أكنتم حاضرين حين وصى يعقوب بما ينافي دعواهم بل ينبغي أن يقال أكنتم حاضرين حين وصى باليهودية مثلا نقول لمن يرمي زيدا بالفسق إنكارا عليه وردا لقذفه بالفسق أكنت حاضرا حين شرب الخمر أو قتل أو زنى ولا تقول له أكنت حاضرا حين صلى وصام أورد صاحب الكشاف هذا النظر فرأى أن الوجه حمل معنى الهمزة على تقدير وأم على الاتصال حيث قال ولكن الوجه أن يكون أم متصلة على أن يقدر قبلها محذوف كأنه قيل أتدعون على للأنبياء اليهودية أم كنتم شهداء إذا حضر يعقوب الموت يعني أن أوائلكم من بني إسرائيل كانوا مشاهدين له إذا أمر بنيه على التوحيد وملة الإسلام وقد علمتم ذلك فما لكم تدعون على الأنبياء ما هم منه براء قال المحققون من شراح الكشاف في بيان قوله هذا الوجه أن يحمل معنى أم على الاتصال والهمزة فيها وللتقرير على سبيل التقريع ويكون الخطاب لليهود ويجعل حضور أوائلهم حضورهم فكأنه قيل لهم أتدعون يهودية الأنبياء مع مشاهدتكم موت يعقوب وإسلامه وتحريض بنيه عليه فإنه ليس فيه ما يمنع ذلك والمعنى مستقيم وقال بعض الأفاضل يجوز أن يكون الخطاب لليهود والهمزة للإنكار ويكون الرد صحيحا على أبلغ وجه لأن مضمون الآية على الوجه الذي تقدم نقيض مدعاهم فيكون معناه ما كنتم حاضرين إذ قال يعقوب لبنيه ما قال أجابوا به مما هو نقيض مدعاكم فكيف تدعون أمرا نقيضه ثابت ولا شك في بلاغته لثبوت الرد إذ ذاك بطريق برهاني أقول مقصود هذا الفاضل أن يقرر معنى الإنكار والرد بحيث لا يرد عليه نظر صاحب الكشاف لكن لا يندفع النظر بهذا لأن ما ذكره إنما يصلح جوابا عن النظر لو علم اليهود ثبوت نقيض مدعاهم إذ لهم أن يقولوا ما علمنا إسلامه حين أحضر ولكن علينا يهوديته قبل ذلك بل لو قال ما علمتم يهوديته حين حضره الموت فكيف تدعون يهوديته يكون ردا عليهم ويجوز أن يكون إنكار لوردا لما كانوا يزعمون من أن ما عليهم دين الأنبياء ودين الإسلام فقيل لهم ما شهدتم وصايا الأنبياء بالدين فكيف تزعمونه .
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 260
مساهمون: اسماعيل بن محمد القونوي
ص٢٦٠