قوله : ( وبشرى عيسى ) كما قال تعالى حكاية عنه :
وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ
[ الصف : 6 ] والمعنى أنا الذي بشره عيسى ففي بشر أيضا مبالغة .
قوله : ( ورؤيا أمي ) نقل عن الطيبي أنه قال روينا عن العرباض بن سارية عن رسول اللّه عليه السّلام أنه قال سأخبركم بأول أمري أنا دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى عليهما السّلام ورؤيا أمي التي رأت حين وضعتني قد خرج لها نور أضاءت قصور الشام أخرجه الإمام أحمد بن حنبل وصاحب شرع السنة وفي هذه الرواية المراد بالرؤيا ما رأته في اليقظة وهو غير متعارف وما قيل هي آمنة بنت وهب بن عبد مناف من بني زهرة رأت في المنام أنها وضعت نورا أضاء به قصور الشام من بصرى فظاهر في المطلب لكن الرواية ليست كذلك كما عرفت والمعنى أنا النور الذي رأته أمي ففيه مبالغة أيضا .
قوله : ( يقرأ عليهم ويبلغهم ما يوحى إليه من دلائل التوحيد والنبوة ) يقرأ إشارة إلى أن يتلو من التلاوة بمعنى القراءة لا من التلو بمعنى التبع لا سيما مع استعماله بعلى قوله ما يوحى إليه تنبيه على أن المراد بالآيات القرآن أيضا كما أن المراد بالكتاب عبر عنه بها هنا لاشتماله على دلائل التوحيد الذي هو معظم العقائد الإسلامية والنبوة الذي يثبت بها الأحكام النظرية والعملية وأصل الآية العلامة والدلالة إذ اعتبار الدلالة عليها هو المناسب للتبليغ لكن التبليغ بعد ثبوت النبوة فاعتبار دلالتها على النبوة حين التبليغ غير مناسب .
قوله : ( القرآن ) عبر به لأن كون القرآن من شأنه أن يكتب هو المناسب للتعليم فإن أكثر التعليم بالكتابة والجمع في الموضعين من قبيل إطلاق حال البعض على الكل أو التلاوة والتعليم أعم من الذات والواسطة .
قوله : ( وما يكمل به نفوسهم من المعارف والأحكام ) لما كان إكمال النفس الإنسانية بتكميل القوة النظرية بإيقان العلم بالأشياء على ما هي عليه في نفس الأمر وبتكميل القوة العلمية بإتقان العمل على وفق الشرع أشار المصنف إلى مجموع ذلك فقال من المعارف والإحكام الأول ناظر إلى معرفة الأشياء على ما هي عليه والثاني ناظر إلى العمل بالشرائع والفروع فلا يكون الشخص حكيما يؤتى خيرا كثيرا حتى يجمعهما وحمل الحكمة على ما يكمل به نفوسهم يوهم ظاهره أن تعليم الكتاب لا مدخل له في ذلك التكميل وليس كذلك بل المراد بالحكمة معنى شامل للكتاب والسنة فذكرها تعميم بعد تخصيص فلا تخصيص للسنة ويؤيده قول بعضهم بينها وبين ما في الكتاب عموم من وجه لاشتمال القرآن على القصص والمواعيد وكون بعض الأمور الذي يفيد كمال النفس علما وعملا غير مذكور في الكتاب انتهى لكن قوله غير مذكور أو مراده غير مذكور صريحا وإلا فالكتاب تبيان لكل شيء من أمور الدين على التفصيل أو الإجمال بالإحالة إلى السنة أو القياس وقيل الحكمة السنة ذكره قتادة وجه المناسبة بينهما أن الحكمة ينتظم العلم والعمل كما أن السنة ينتظم القول والفعل انتهى وهذا تخريج آخر لم يذهب إليه المصنف فعلم من هذا البيان أن المراد بالحكمة ما يكون مفيدا للحكمة وسببا لها مجازا .