قوله : ( عن الشرك والمعاصي ) أي ما عدا الشرك إشارة إلى التخلية إما من جهة العلم والاعتقاد وهو التطهير عن الشرك وإما من جهة العمل وهو التطهير عن المعاصي وإنما قدم التحلية على التخلية إما لشرافتها أو لأن التحلية مقدمة عليها في الذهن والقصد وإن كانت التخلية مقدمة عليها في الخارج أو لأن التخلية وسيلة والمقصود التحلية فالشرك مقابل للمعارف والمعاصي مقابل للأحكام العملية فظهر ما أشرنا إليه سابقا من أن المراد بالأمة المسلمة المسلمة باعتبار ما يؤول إليه .
قوله : ( إنك أنت ) وأنت إما ضمير فصل لاحظ له من الإعراب أو توكيد للكاف مثل مررت بك أنت وإن لم يجز إن أنت فإن التابع يسوغ فيه ما لا يسوغ في المتبوع وقد مر البيان في قوله تعالى :
إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
[ البقرة : 32 ] .
قوله : ( الذي لا يقهر ولا يغلب على ما يريد ) أي العزيز من عز يعز إذا لم يحط عن منزلته أو الذي لا يخالف أو الذي لا يخوف بالتهديد « 1 » وحاصل الجميع ما ذكره المصنف ومعنى عز يعز أي غلب قريب من ذلك .
قوله : ( المحكم له ) الضمير راجع إلى ما يريده وحاصله أنه متقن أفعاله ولا يفعل إلا ما فيه حكمة بالغة وهذا معنى المحكم لما يريده أشار إليه في قوله تعالى :
إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
[ البقرة : 32 ] في أوائل السورة وجملة
إِنَّكَ أَنْتَ
[ البقرة : 32 ] الآية تعليل للدعاء فإن وصف الحكمة مقتض لإفاضة ما تقتضيه الحكمة من الأمور التي من جملتها بعث الرسول عليه السّلام ووصف العزة بالمعنى المراد هنا مستدع لامتناع وجود المانع من حصول الأمور التي تقتضيه الحكمة وجودها ومن جملتها إرسال الرسول وبهذا البيان يعلم رعاية مراعاة النظير وهو أن يختم الكلام بما يناسب ابتداؤه وأما الآية المتقدمة فرعاية تلك المراعاة بالختم بالسميع العليم في قوله تعالى :
وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ
[ البقرة : 127 ] الآية أشار إليه المصنف في قوله تعالى :
وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ
[ البقرة : 128 ] الآية كون الفاصلة
إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
أولى يعرف بالتأمل الصادق حتى قيل إذا أراد العبد أن يستجاب له فليدع اللّه عز وجل بما يناسبه من أسمائه وصفاته « 2 » .
قوله تعالى :
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 130 ]
وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ( 130 )
قوله : ( استبعاد وإنكار لأن يكون أحد يرغب عن ملته الواضحة الغراء أي لا يرغب أحد عن ملته ) الاستبعاد هنا عد الشيء بعيدا وهو يستلزم الإنكار وكثيرا ما يجمع بينهما
هامش
( 1 ) فيه إشارة إلى أن العزيز من الصفات السلبية .
( 2 ) فهما عليهما السّلام دعيا أولا بقبول الدعاء وغيره من القربات فالمناسب له ذكر السميع العليم وثانيا بالتوبة فالمناسب لها كونه التواب الرحيم وثالثا يبعث الرسول عليه السّلام فالمناسب له ذكر العزيز الحكيم كما عرفت .