تمثيلية كما أشار إليه الطيبي إلا أن يقال إن مراد القيل استعارة تبعية مع الاستعارة التمثيلية كما اختاره المحقق التفتازاني في قوله تعالى
أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ
[ البقرة : 5 ] الآية والحاصل أن الاضطرار هنا مجاز في أن يكون الفعل باختياره لكن بحيث لا يملك الامتناع عنه فإن الاضطرار بعدم الرضاء لا الاختيار في بعض المواضع كقوله تعالى
فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ
[ البقرة : 173 ] فإنه حالة المخمصة يأكله باختياره إذ تركه مقدور له لكن لا بحيث يملك الامتناع عنه وإنما حمل على هذا المعنى المجازي للاضطرار دون الحقيقي له وهو كون الفعل صادرا بلا تعلق إرادته كمن ألقي عن السطح لأن الآيات الناطقة بورود الكفار على جهنم وإتيانهم إليها باختيارهم كثيرة مثل قوله تعالى :
وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً
[ الزمر : 71 ] الآية وقوله تعالى
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها
[ مريم : 17 ] الآية وغير ذلك والورود كائن بتعلق إرادته لكن بحيث لا يملك الامتناع عنه لا كمن ألقي عن السطح وأما قوله تعالى
يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا
[ الطور : 13 ] دعا ونحوه من قوله تعالى
يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ
[ القمر : 48 ] الآية وغير ذلك من الآيات الدالة على سلب الاختيار فقيل إنه في حق بعض الكفار جمعا بين الآيات ولك أن تقول لما كان ذلك في حق بعض الكفار دون بعض والمعنى الأول كذلك في حق بعض الكفار دون بعض آخر فالمناسب أن يحمل الاضطرار على المعنى الحقيقي ويقال إنه من قبيل إسناد ما للبعض إلى الجميع لأنه إذا حمل على المعنى المجازي يكون أيضا إسناد ما للبعض إلى الكل فالميل إلى المعنى الحقيقي وارتكاب ذلك التكلف أولى من عكسه حتى نقل أن البعض اختار حمل الاضطرار على معناه الحقيقي .
قوله : ( وقليلا نصب على المصدر أو الظرف ) بمعنى تمتيعا قليلا فالمصدر أي المفعول المطلق في الحقيقة هو الموصوف المحذوف وكذا الكلام في النصب على الظرف أي زمانا قليلا فإذا كان التمتيع وهو فعل اللّه تعالى قليلا أو وقع في زمان قليل يكون التمتع وهو فعل العبد كذلك .
قوله : ( وقرىء بلفظ الأمر فيهما على أنه من دعاء إبراهيم وفي قال ضميره ) فيهما أي قوله : وفي قال ضميره أي ضمير إبراهيم عليه السّلام وهذه القراءة أي القراءة على لفظ الأمر قراءة ابن عباس فعلى هذا يكون الضمير في قال لإبراهيم قال ابن جني هذه القراءة تحتمل وجهين أحدهما وهو الظاهر أن يكون الفاعل في قال ضمير إبراهيم عليه السّلام وحسن إعادة قال لأمرين أحدهما طول الكلام والآخر أنه انتقل من دعاء قوم إلى دعاء آخرين كأنه أخر في كلام آخر الثاني أن يكون الفاعل هو اللّه تعالى أي فأمتعه يا خالق يا رازق يخاطب بذلك نفسه كقول الأعشى :
وهل تطيق وداعا أيها الرجل
وهذا يتصل بباب غريب لطيف وهو باب التجريد كأنه يجرد نفسه منها يخاطبها إلى هنا كلامه وعلى هذين الوجهين لا يكون العطف في ومن كفر للتلقين واضطره بكسر الهمزة كقوله :
وما أدري وسوف أخال أدري * أقوم آل حصن أم نساء