تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦
من القياس وهو أن الرزق رحمة دنيوية محضة غير مختصة بالمؤمنين بل يعم الكافرين قال تعالى
وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ
[ الزخرف : 33 ] الآية فانظر في أنه تعالى أشار بهذا النظم الشريف إلى أن النعم الدنيوية مع عمومها للكافرين يكون حظهم منها أوفر وأكثر من المؤمنين لا سيما المطيعين لكن مثل هذا مع غاية وضوحه نسبته إلى سيدنا إبراهيم عليه السّلام لا يخلو عن كدر فالأولى أن يقال إنه لما كان المؤمنون أولياء اللّه تعالى والكافرون أعداءه تعالى كان ينبغي أن يخص الدعاء بالرزق بالمؤمنين ولما كان نعمه تعالى عاما للأولياء والأعداء جعل تعالى الكافرين معطوفا على المؤمنين « 1 » وقيل الأحسن أن يقال إنه تعالى لما قال
لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ
[ البقرة : 124 ] احترز إبراهيم عليه السّلام من الدعاء لمن ليس مرضيا عنده فأرشده اللّه تعالى إلى كرمه الشامل انتهى . وفيه ما فيه « 2 » أيضا وأما قول من قال إنه عليه السّلام أبى عن تعميم الدعاء للكفار لأن الكافر لا يدعي له بل يدعي عليه فليس في موقعه لأنه ليس بكلي « 3 » قوله عليه السّلام اللهم اشدد وطأتك على مضر بناء على ما صدر عنهم من الأذية المفرطة وكذا قول موسى عليه السّلام
رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ
[ يونس : 88 ] الآية فإنه بعد اليأس التام ألا يرى أنه عليه السّلام دعا لهم اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون وفي رواية اللهم اغفر الخ . وكذا دعا إبراهيم عليه السّلام لأبيه بقوله واغفر لأبي ونظائره كثيرة نعم دعاؤهم للكفار بحصول مراماتهم الدنيوية والسؤال بتوسيع الرزق لهم غير منقول وعن هذا أبى عليه السّلام عن الدعاء لهم بالرزق وخص الدعاء بالمؤمنين لكن اللّه تعالى تصرف في ملكه حيث يشاء على مقتضى حكمته فجعلهم معطوفا عليهم كما مر بيانه . قوله : ( أو مبتدأ متضمن معنى الشرط فأمتعه قليلا خبره ) أي لفظة من موصولة متضمن معنى الشرط فدخلت الفاء في خبره وهو قوله تعالى
فَأُمَتِّعُهُ
[ البقرة : 126 ] الآية أو هي اسم شرط وجملة فأمتعه جواب الشرط والجزاء إذ كان مضارعا مثبتا يصح اقترانه بالفاء نص عليه ابن الحاجب كما قيل فلا حاجة إلى تقدير أنا لتكون الجملة اسمية أي فأنا أمتعه إلا أن يكون استحسانا ولما كان فيه نوع تكلف اختار المص كونه خبرا تزييفا
هامش
( 1 ) لأنه تصرف في ملكه كيف يشاء لكن ليس للعبد لا سيما للمقربين أن يدعو لمن ليس له انقياد أمره تعالى في مثل هذا الأمر وأما الدعاء بالهداية فوارد حسن فلذا قيد بقوله في مثل هذا الأمر . ( 2 ) إذ كرمه الشامل معلوم له عليه السّلام وأيضا الاحتراز عن الدعاء لمن ليس مرضيا له تعالى لا دخل فيه لقوله تعالى :لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَفإن الاحتراز المذكور معلوم حسنه فالأولى الاكتفاء بقوله احتراز عن الدعاء لمن ليس مرضيا عنده . ( 3 ) كيف لا وهم مبعوثون لإرشادهم واصلاحهم فكيف يقال لأن الكافر لا يدعى له بل يدعى عليه قال المص في تفسير قوله تعالى :فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ[ القمر : 10 ] فانتقم لي منهم وذلك بعد يأسه منهم فقد روي أن الواحد منهم كان يلقاه فيخنقه حتى يخر مغشيا عليه فيضيق فيقول اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون انتهى وهذا شاهد على ما قلنا .