مع سلامته عن التكلف لأن الأهم بيان أن البيت العتيق يأتوا إليه الناس من كل فج عميق وأما كونه موضع ثواب فهو معلوم لكونه من مهابط الرحمة ومنازل البركة وأحسن القربة .
قوله : ( وقرىء مثابات لأنه مثابة كل أحد ) أي أن البيت وإن كان واحدا بالذات متعدد باعتبار الإضافات وأما عدم صحة جمع غلام أي جماعة بالمملوكين فلأن إضافة المملوكية التامة إلى كلهم لا إلى كل واحد منهم ويحتمل أن يكون الجمع للتعظيم أو لأن كل بقعة من البيت المعظم مثابة كما قيل في نظائره فالتنكير للتكثير والتعظيم وفي مثابة للتعظيم فقط .
قوله : ( وموضع أمن لا يتعرض لأهله كقوله تعالى
حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ
[ العنكبوت : 67 ] أو يأمن حاجة من عذاب الآخرة من حيث إن الحج يجب ما قبله أو لا يؤاخذ الجاني الملجئ إليه حتى يخرج ) وموضع أمن أي هو مصدر كالمثابة على احتمال وصف به للمبالغة وقول المصنف وموضع أمن بيان حاصل المعنى لا تقدير المبني ليفوت المبالغة لا يتعرض لأهله أي لسكانه فيكون الأمن بالنسبة إلى السكان قدمه لأنه مؤيد بقوله تعالى
حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ
[ العنكبوت : 67 ] أي يختلسون قتلا وسبيا إذ كانت العرب حوله في تغاور وتناهب وأما سكان مكة فهم في أمن عظيم من القتل والسبي « 1 » لما عرف العرب أن من قصد السوء بأهله فقد هلك برمته فإذا كان البلد بأسره حرما آمنا فالبيت العتيق كان عين أمن لكسب البلد الأمنية منه أو يأمن حاجة من عذاب الآخرة إن لم يحبط الحاج حجة بعمل سوء بعده أو ينقص ثوابه باقتراح الخطيئة أثره وإليه أشار بقوله من حيث إن الحج الخ فإنه إذا جب ما قبله إنما يأمن من عذاب الآخرة بحيث لا تتعلق به المؤاخذة إن لم يكسب معصية بعده والمراد بقوله يجب ما قبله أي يزيله قوله : لأنه مثابة كل واحد يعني القراءة بالجمع الدال على الكثرة ليست لكثرة الموضع المثوب إليه بل لكثرة الزائرين .
قوله : وموضع آمن لأن من يسكن فيه أمن من خطف الناس كما قال تعالى
حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ
[ العنكبوت : 67 ] أقول الظاهر أن لا يصار إلى حذف المضاف بل إلى الوصف بالمصدر للمبالغة في كون البيت ما منا كما في رجل عدل فالحرم إذا موضع آمن على الحقيقة ولأن الجاني يأوي إليه فلا يتعرض له فيأمن حتى يخرج فعلى هذا إسناد آمنا إلى الحرم على سبيل المجاز لأن المقصود أمن الملتجئ إليه فأسند إليه مبالغة وهذا مذهب أبي حنيفة رحمه اللّه قال الطيبي إذا فسرت الكلمات بالأمر على ما سبق فمذهب أبي حنيفة راجح واستدل بظاهر الآية وروى الإمام عن الشافعي رحمه اللّه من دخل البيت ممن وجب عليه الحد يؤمر بالتضييق عليه حتى يخرج وإن لم يخرج حتى قتل في الحرم جاز وأقل الأمن أن يكون آمنا من القحط وعن نصب الحروب فيه وعن إقامة الحدود .
هامش
( 1 ) وكانت الجاهلية يحرمونه ولا يتعرضون لأهل مكة وكانوا يسمون قريشا أهل اللّه تعظيما ثم اعتيد فيه أمن الصيد حتى أن الكلب ليهمّ بالظبي خارج الحرم فيفر الظبي منه ويتبعه الكلب فإذا دخل الظبي الحرم لم يتبعه الكلب كذا في اللباب .