قوله : ( مرجعا يثوب إليه أعيان الزوار أو أمثالهم ) أشار إلى أن مثابة كالمثاب اسم مكان « 1 » من ثاب يثوب أي رجع يرجع والتاء فيه للمبالغة « 2 » لا للتأنيث كعلامة ونسابة وأصله مثوبة فاعل فصار مثابة وإنما قيل مثابة لكونه مرجعا يرجع إليه أعيان الزوار أي يرجع بعدما خرجوا عنه بأنفسهم فالرجوع حينئذ على الحقيقة فالأعيان جمع عين بمعنى النفس والذات أو أمثالهم أي وإن لم يتحقق الرجوع من الزوار بأنفسهم فلا جرم أن يوجد الرجوع من أمثال الزوار فالرجوع متحقق قطعا لكن الرجوع في الأول حقيقي كما عرفت وفي الثاني مجازي فيلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز في يثوب إليه وهو جائز عند الشافعي وهو مذهب المصنف وفي كلام الأئمة الحنفية يعتبر عموم المجاز وتعريف الناس للاستغراق العرفي والمراد الزوار ويجوز حمله على العهد مع تكلف وحمله على الجنس مراد به الفرد الكامل كما حقق ذلك في قوله تعالى :
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ
[ البقرة : 13 ] الآية ثم قيل إن في نسبة الثوب إلى الأمثال لا بد فيها من اعتبار قيد الحيثية أي من حيث إنهم أمثالهم وعلى صفتهم وهوانهم وفد اللّه وزوار بيته ولا ريب في أن الأمثال يشعر بذلك فلا تكلف فيه وإنما جعل زيارة غير الحاج رجوعا مجازا لاتصاله به دينا وقد يتصل به نسبا أيضا فيكون المجاز لأدنى ملابسة « 3 » نظيره قوله تعالى :
وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ
[ البقرة : 84 ] الآية قال المصنف هناك وإنما جعل قتل الرجل غيره قتل نفسه لاتصاله به نسبا أو دينا فجعل زيارة غير الحاج زيارة الحاج للاتصال المذكور واطلق عليه الرجوع والعود كأنه عاد إليه بعد ما تفرق عنه .
قوله : ( أو موضع ثواب « 4 » يثابون بحجه واعتماره ) أي الناس ويعطون أجرهم بغير حساب بحج فرض أو نفل واعتماره أي عمرة فحينئذ لا تكلف لعدم اعتبار الرجوع فيه أخره قوله : مرجعا يثوب إليه أعيان الزوار وأمثالهم المثابة من ثاب إليه إذا رجع إليه بعد ذهابه منه ولما لم يصح بحسب اللغة أن يكون مرجعا في حق من جاءه ابتداء عطف الأمثال على أعيان الزوار فإن من زار البيت ابتداء وإن لم يسم زيارته رجوعا لكن هو كمن يرجع إليه بعد ذهابه منه في كونه زائرا فكان كأنه هو فمثابة حقيقة في مجيء عين الزائر أولا ومجاز في مجيء الزائر ابتداء لكن على هذا يلزم في لفظ مثابة الجمع بين الحقيقة والمجاز فالأولى أن يفسر مثابة بما هو أعم من معنى المرجع مثل مزارا ليكون اطلاقها عليه من باب عموم المجاز .
هامش
( 1 ) وجوز فيه المصدرية وهو تكلف إذ ح يحتاج إلى تقدير مضاف أي ذا مثابة .
( 2 ) وقيل للتأنيث بتأويل البقعة .
( 3 ) قوله لأدنى ملابسة يحتمل أن يكون المجاز في الإسناد إلى أمثال الزائر ما هو للزائر وهو الرجوع وأن يكون مجازا في الكلمة فإن الثوب بمعنى الرجوع بمعنى الزيارة بالنسبة إلى غير الخارج كما أنه باق في معنى الرجوع بدعوته إلى من حج وتفرق عنه ثم جاء وهذا الأخير هو الظاهر فإن قيل هل يجوز جمع الحقيقة والمجاز العقليين باتفاق قلنا لا بل هو كالمجاز اللغوي والحقيقة اللغويين .
( 4 ) فمثابة مشتق من الثواب بمعنى جزاء الطاعة وأما في الأول فمشتق من الثوب بمعنى الرجوع كما عرفت .