كان نبيا قبل أربعين فعلى هذا يجوز أن يكون الابتلاء بالكوكب والقمرين بعد النبوة فالأسلم الأحسن عدم التعرض لكون هذا الابتلاء قبل النبوة أو بعدها لما مر من عدم القاطع مع عدم تعلق الغرض بتعيينه قبل النبوة أو بعدها وأما الختان فأكثر الرواية أنه ختن نفسه « 1 » بالقدوم وكان عمره مائة وعشرين فلا جرم أنه بعد النبوة والمراد بالنار نار نمرود بيانه في سورة الأنبياء ويتحير منه الأصدقاء .
قوله : ( والهجرة ) روي أنه هاجر من كوني بفتح الكاف وسكون الواو سواد الكوفة أي من قرى الكوفة مع لوط ابن أخته أو ابن أخيه أو عمه على اختلاف وامرأته سارة ابنة عمه إلى حران ثم منها إلى الشام فنزل فلسطين ولوط نزل سدوم كذا قاله في سورة العنكبوت وفي سورة الأنبياء قال ولوط نزل بالمؤتفكة وبينهما مسيرة يوم وليلة .
قوله : ( على أنه تعالى عامله بها معاملة المختبر بهن ) متعلق بقوله وبالكوكب يريد أن الابتلاء حينئذ لا يكون بمعنى التكليف بل بمعنى الاختبار ولا ريب في أن اختبار اللّه تعالى عبده لا يكون بطريق الحقيقة لأن الاختبار والامتحان حقيقة إنما يصح فيمن خفي عليه العواقب بل هو استعارة على طريق التمثيل شبه الهيئة المنتزعة من العبد والمصيبة النازلة به وإيقاع اللّه تعالى تلك المصيبة به بالهيئة المأخوذة من الشخص وما فعله بالشخص الآخر من المحنة فاستعمل اللفظ المركب الموضوع للهيئة المشبهة بها في الهيئة المشبهة وجه الشبه معرفة صبر من ابتلي به معرفة المختبر في المشبه به ومعرفة الغير في المشبه هذا على ما اختاره المصنف وأما على ما اختار الشيخ الزمخشري فتقريرها هكذا شبه الهيئة المنتزعة من الأمور العديدة من العبد وتمكين اللّه تعالى إياه من الأمرين الطاعة والمعصية أي تمكينه من اختيار أحد الأمرين بخلق قدرة صالحة لهما غير مختصة بأحد الطرفين حين أراد العبد فعلا قبل أن يرتب عليه شيئا هو من مبادئه العادية بهيئة أخرى مأخوذة من أمور شتى وهي المولى وعبده وأمره بشيء أو نهيه عنه ليعرف حاله من الإطاعة أو المخالفة فيتمكنه بما يليق حاله فذكر اللفظ المركب الدال على الهيئة المشبه بها وأريد الهيئة المشبهة وجه الشبه
هامش
( 1 ) القدوم اسم موضع وقيل المراد آلة معروفة .
قوله واختبار اللّه عبده مجاز عن تمكينه من اختبار أحد الأمرين لأن حقيقة الاختبار لا تكون إلا فيما خفي على المختبر ويستحيل ذلك في شأن علام الغيوب فهو من باب الاستعارة التبعية التمثيلية حيث شبه بالاختبار بناء أمرهم على الاختبار ومعنى التمثيل أن مآله إلى تشبيه الحال بالحال حيث شبه حال تكليف العبد بالتكاليف الشاقة بحال اختبار المختبر للشيء دل على جعل استعارة التشبيه بقوله كأنه يمتحنه نقل بعضهم عن الراغب أن الابتلاء يتضمن أمرين تعرف ما يجهل من حاله وظهور جودته ورداءته بعد فربما قصد الأمران وربما قصد به أحدهما فإذا نسب إلى اللّه تعالى فهو للأمر الثاني ومنه قوله تعالى :وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُوالحمل على التكليف على ذلك وقوله وما يريد اللّه وما يشتهيه العبد اعتزال خفي لأن المراد الطاعة والمعصية فهو يشير إلى أن المعصية ليست بإرادة اللّه تعالى وإنما هي باستشهاد العبد هذا على قراءة نصب إبراهيم وأما على قراءة رفعه فقالوا إن الابتلاء أيضا استعارة مسبوقة بالتشبيه لا يقال إبراهيم ممن جاز الاختبار منه حقيقة فلا يعدل عنها لعدم المانع من حمله على الحقيقة لأنا نقول إن جاز أن يكون إبراهيم مختبرا فالباري تعالى لا يكون مختبرا ولا أقل من ذلك في ترك الأدب .