تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
قوله : ( فلا عليك إن أصروا أو كابروا ) يريد به الإشارة إلى ارتباط هذا الكلام بما قبله فيكون
إِنَّا أَرْسَلْناكَ
[ البقرة : 119 ] جملة معترضة وجه الاعتراض تسليته عليه السّلام لأنه في ضيق صدر قال تعالى :
فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ
[ الأعراف : 2 ] الآية وجه التأكيد بأن المزيد العناية بمضمون الكلام أو للمبالغة في تحقق مضمونه أو لأن المقام مقام مظنة الإنكار والتردد قوله فلا عليك أي فلا بأس عليك لأن اسم لا يحذف حذفا كثيرا إن أصروا على هذا القول الشنيع أو كابروا وعاندوا بقولهم أو تأتينا آية فالإصرار ناظر إلى لولا يكلمنا اللّه والمكابرة ناظر إلى أو تأتينا آية كلمة أو الترديدية لموافقة النظم الكريم بشيرا ونذيرا حالان من الكاف حال مقدرة كما هو الظاهر قيل ونذير بمعنى منذر بلا كلام وهذا مما يؤيد كون بديع بمعنى مبدع لكنه هنا قد يقال سوغه المشاكلة فتأمل وقد سبق ما يتعلق بهذا المرام في تفسير
بَدِيعُ السَّماواتِ
[ البقرة : 117 ] الآية . قوله : ( ما لهم لم يؤمنوا ) إشارة إلى أن مفعول لا تسأل محذوف والمعنى لا تسأل عن أصحاب الجحيم لم لم يؤمنوا ولأي شيء لم يصدقوا مع تعاضد الآيات العقلية والنقلية المؤدية إلى الإيمان سؤال عتاب يؤدي إلى مؤاخذة وإنما هم يسألون عن ذلك سؤال توبيخ ثم يلقون إلى الشقاء المؤبد والأوضح أن ما لهم لم يؤمنوا بدل من أصحاب الجحيم بدل اشتمال وعن محذوف هنا أي عن ما لهم لم يؤمنوا . قوله : ( بعد أن بلغت ) جميع ما أنزل إليك وأديت ما وجب عليك وقد بلغت على وفق ما أمرت واجتهدت في إرشادهم فلا يكن في صدرك حرج منهم وفيه أن من بلغ الدعوة حكمه كذا وأما من لم يبلغه الدعوة لكونه نشأ في شاهق الجبل أو في مكان عميق فهو معذور في الجملة ولا يكون من أصحاب الجحيم إذا اعتقد بالوحدانية ووجود الخالق فلا يسأل الرسول عليه السّلام عنهم أيضا . قوله : فلا عليك إن أصروا أي لا تبعة عليك إذ أصروا على الكفر فلا يؤمنون قال صاحب الكشاف في تفسير
بَشِيراً وَنَذِيراً
لأن تبشر وتنذر لا لتجبر على الإيمان قال بعض الشراح وهو يفيد العلة فيكون بشيرا ونذيرا مفعولا له وحينئذ يكون فعيلا بمعنى فاعل جعل مصدرا وفي عبارته إفادة الحصر أقول لعل معنى الحصر مستفاد من جعل التبشير والإنذار علة غائية للإرسال إذ لو علل بعلة أخرى غير هذين كالاجبار والقسر على الإيمان لزم أن يكون الشيء الواحد مغييا بغايتين متباينتين ومعللا بعلتين مختلفتين فإن في البشارة والنذارة معنى التخيير في امتثال الدعوة المنافي لمعنى الإجبار والقسر فإذا عين أحد المتباينين للعلية فيخزل الآخر عنها وهذا هو معنى القصر الإفرادي . قوله : بعد أن بلغت ظرف للسؤال المنفي أي لا تسأل أنت عنهم بأن يقال لك ما لهم لم يؤمنوا بعد أن بلغت إليهم أحكام الشرع وبلغت جهدك في دعوتهم أي لا تسأل عنهم بعد الخروج عن عهدة التبليغ الواجب عليك وفي الكتاب هذه تسلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وتسرية عنه أي هذه الآية وهي قوله عز وجل :
إِنَّا أَرْسَلْناكَ
[ البقرة : 119 ] إلى قوله :
لا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ
[ البقرة : 119 ] تسلية له عليه الصلاة والسّلام وتسرية عنه أي كشف غم عنه لعدم قبولهم الدعوة .
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 186 | اسماعيل بن محمد القونوي / عبد الله محمود محمد عمر