ابدأ عدم أولوية ابتدائي بذلك التعليل فليس لذكره بعده كثير نفع واستفدنا منه أن تقدير قراءتي أيضا مرجوح بعلة زيادة الإضمار فيه وتخصيص التعرض بابتدائي لما ذكرنا والقول بأنه يرجح تقدير ابتدائي موافقة لقوله تعالى :
بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها
[ هود : 41 ] ودلالته على الاستمرار مدفوع بأن تقدير الفعل موافق لقوله تعالى :
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ
[ العلق : 1 ] فتعارضا فتساقطا وما ذكره سالم عن المعارضة قوله ودلالته على الاستمرار إن أراد أن الجملة الاسمية تدل عليه بالوضع فلا نسلم ذلك كما نقله المحقق التفتازاني في شرح التلخيص عن عبد القاهر عدم دلالته على ذلك وإن أراد أنها تدل عليه عقلا كما ذهب إليه بعض توفيقا بين الكلامين فلا نسلم ذلك أيضا هنا إذ الابتداء لكونه أمرا غير ممتد لا يحسن فيه اعتبار الدوام والاستمرار والدلالة « 1 » المذكورة بمعونة المقام واعتباره بالنسبة إلى جميع الأمور ضعيفة فإن مثل هذا ليس بمتعارف .
قوله : ( لزيادة إضمار فيه ) ليست في تقدير اقرأ لأن مجرد تقدير ذلك المصدر وجعل الباء متعلقة به لا يكفي بل لا بد من تقدير حاصل أو حصل فزاد الإضمار فيه والقول بأن الزيادة لاعتبار زيادة الحروف قاصر لأن تقدير بدئي أيضا فيه زيادة إضمار لما ذكرنا لا لما ذكره فيندفع الاعتراض فيه أيضا بأن حذف الجملة ليس أقل من حذف المضاف والمضاف إليه فإن فيه حذف الخبر أيضا إما حاصل أو حصل فإذا اعتبر حصل يعادل اقرأ وما سواه زائد عليه ثم إن جعل الجار متعلقا بابتدائي فالخبر مقدر بعد البسملة وهذا هو المفهوم من السوق وإن جعل متعلقا بالخبر يقدر قبلها وعلى التقديرين الظرف مستقر لما ذكرنا من أن الابتداء « 2 » منفهم من المقام .
قوله : ( وتقديم المعمول ) أوقع لما أثبت كون تقدير فعل خاص أولى حاول بيان موقع تقديره ومقتضى السوق وتأخير العامل ههنا أوقع لكون الكلام فيه لكن راعى ما هو المتداول فقال وتقديم المعمول الخ قوله ههنا أي في البسملة الواقعة في أوائل السور لا في أول الفاتحة فقط فإنه احتراز عن مثل قوله تعالى :
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ
[ العلق : 1 ] على ما اختاره صاحب الكشاف من أن باسم ربك متعلق باقرأ المقدم ورضي به المصنف وأما على ما اختاره صاحب المفتاح فهو متعلق بالمؤخر فلا يكون احترازا ووجهه على ما اختاره أن قوله : وتقديم المعمول ههنا أوقع قوله ههنا تعريض بأن الأوقع في
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ
[ العلق : 1 ] تقديم القراءة لأنها أول سورة نزلت فكانت القراءة هناك أوقع فإن قيل الأكثر على أن أول منزل من القرآن هو الفاتحة أجيب بأنه قد ثبت بالأحاديث الصحيحة أن أول منزل هو
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ
إلى قوله :
ما لَمْ يَعْلَمْ
[ العلق : 5 ] فاختلاف الروايتين محمول على السورة بتمامها فالمراد أن أول سورة نزلت بتمامها هي الفاتحة ولا يضره تقدم نزول بعض من سورة أخرى على الفاتحة .
هامش
( 1 ) أي دلالة الجملة الاسمية عقلا على الدوام والاستمرار إنما هي بمعونة المقام وهذا المقام لا يلائم الدوام .
( 2 ) ولا يضر كونه فعلا خاصا .