راكب أفيد من كائن وحاصل ولا ريب في أن اقرؤوا يفيد تلبس القرآن كله بالتسمية على وجه الاستعانة والتبرك كالنية في أول الصلاة مثلا تستوعب جميعها في اعتبار الشرع ما لم يوجد ما ينافيه وكذا هنا وتقدير ابدأ يفيد تلبس ابتدائها بنص وتصريح من الشارع ولا مجال لاعتبار الاستيعاب بالطريق المذكور من الجواب وأما الثاني فلأن معنى الابتداء ذكرها قبيل الشروع وهو حاصل فيما اختاره ولا حاجة إلى ذكر لفظ الابتداء بل مخل بالمقصود كما عرفت وبهذا ينحل ما أورده بعض المحققين من قوله أقول فيه امتثال للحديث فعلا فقط وفيما ذكر من تقدير ابتدأ امتثال له قولا وفعلا ولا شك أنه أولى انتهى وجه الانحلال هو أن تقدير ابدأ وإن وافق لفظه لفظ الحديث لكن لما كان مخلا بالغرض الأصلي رجح جانب المعنى على جانب المبنى ألا يرى أن البدأ بالحمد يقال الحمد للّه ولا يقال ابدأ بالحمد للّه بناء على المراد في الخبر الشريف إفادة المعنى لا إفادة خصوص المبنى ونظيره أكثر من أن يحصى .
قوله : ( لعدم ما يطابقه ) أي لا يوجد في الاستعمال تعلق التسمية بالابتداء بخلاف ما قوله : لعدم ما يطابقه ويدل عليه لعله أراد به أن التالي مقروء بجميع أجزائه وليس بمبدوء بجميع أجزائه وإنما المبدوء هو الجزء الأول فعدم مطابقته ودلالته لعدم تلبس البداء بجميع أجزاء التالي بخلاف القراءة فإنها متلبسة بجميع أجزائه فلذا قويت دلالته عليه فنزل ناقص الدلالة منزلة عادمها والمراد عدم الدلالة اللفظية وإلا فدلالة الحال قائمة من المشروع وتعليله بقوله لأن الذي يتلوه مقروء لتعيين المقدر فإن حرف الجر يدل على مطلق الفعل لأن وضع حروف الجر لإفضاء معاني الأفعال إلى الأسماء غير أنها تدل على مطلق الفعل ولا بدّ في تخصيصه من قرينة فالقرينة فيما نحن فيه ما يتبع التسمية وهو قوله الحمد للّه وهو مقروء متلو فدل ذلك على أن المضمر اقرأ أو اتلو قال صاحب الانتصاف الذي يقدره النحاة هو ابتدىء فعل القراءة وتقدير العام أولى ألا تراهم يقدرون متعلق الجار الواقع خبرا أو صفة أو صلة أو حالا بالكون والاستقرار حيث ما وقع ويؤثرونه لعمومه وأيضا أن تقدير فعل الابتداء مستقل بالغرض المقصود من التسمية فإن الغرض منها أن يقع مبدأ بها فتقدير فعل الابتداء أوقع وأما ظهور فعل القراءة في قوله تعالى :
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ
[ العلق : 1 ] فلأن الأهم ثمة القراءة ولهذا قدم الفعل على متعلقه بخلاف البسملة فإن الأهم فيها الابتداء وأجاب عنه صاحب الانتصاف بأن تقدير اقرأ أصح لأنه أخص وأمس بالمقصود منه وأتم شمولا فإنه يقتضي أن التسمية واقعة على القراءة كلها مصاحبة لها وإن القراءة كلها باللّه بخلاف تقدير ابتدىء فإنه يقتضي مصاحبتها لأول القراءة واستشهاد بتقدير النحاة غير مجد لأنهم إنما فعلوه تمثيلا وتقريبا . ولو قلت زيد على الفرس أو زيد من العلماء أو زيد في البصرة لقدرت راكب ومعدود ومقيم وكان أمس من الاستقرار وأما قوله إن الغرض أن يقع للتسمية مبدأ فقول بموجبه وإن ذلك يقع فعلا بالبدء بها لا بإضمار فعل الابتداء لأن من صلى فبدأ بتكبيرة الافتتاح أو حج فبدأ بتكبيرة الإحرام يكون باديا باسم اللّه ولا يحتاج في كونه باديا إلى إضمار ابتدىء أو بدأت بذلك قال اليمني رحمه اللّه اختيار النحاة في متعلق الظرف الفعل العام إنما هو عند عدم قرينة الخصوص وأما عند وجود القرينة فتقدير الخاص أولى وأكثر فائدة وتقدير الخاص لا يخرج الظرف عن كونه مستقرا لأن معنى استقرار الظرف كون عامله مستقرا مضمرا فيه وهذا المعنى موجود فيه سواء كان مقدرا بالعلم أو الخاص .