زيد من البصرة خرج فعل وزيد اسم ومن حرف فيجعل كلا من الثلاثة محكوما عليه لكن وضع غير قصدي ولا يصير اللفظ به مشتركا ولا يفهم منه معنى مسماه وقد اتفق لبعض الأفعال أن وضعت لها أسماء أخر غير لفظها تطلق ويراد بها الأفعال من حيث دلالتها على معانيها لا من حيث إنها يراد بها أنفسها وسموها أسماء الأفعال فإذا قلت آمين مثلا فهم منه لفظ استجب أو ما يرادفه مقصودا به طلب الاستجابة كما في قولك اللهم استجب لا مقصودا به نفسه كما في قولك استجب صيغة أمر وبذلك صح كونها اسما وإن استفدنا منها معاني الأفعال لأن مدلولاتها التي وضعت هي لها ألفاظ لم يعتبر معها اقترانها بزمان وأما المعاني المقترنة بالزمان فهي مدلولة لتلك الألفاظ ينتقل من الأسماء إليها بواسطتها وهذا تأويل مناسب لتسميتها بأسماء الأفعال كذا قالوا ويرد عليه أن الدال على الدال على الشيء دال على ذلك الشيء فتدل الألفاظ المذكورة على المعاني المقترنة بالزمان فتكون أفعالا ولعل هذا منشأ مذهب الكوفيين من أنها أفعال ودخول التنوين لا يضر كقوله تعالى :
لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ
[ العلق : 15 ] الآية وكذا دخول اللام في بعضها وبالجملة أن ما قالوه من أن هذه الكلمات ليست أفعال مع تأديتها معانيها لأن صيغتها مخالفة لصيغ الأفعال وأنها لا تتصرف فيها تصرفها وتدخل اللام في بعضها والتنوين في بعضها غير تام لما ذكرنا فتأمل « 1 » في جوابه وأما الإشكال بأنه لا يصح أن يخبر عنها والاسم ما يصح أن يخبر عنه متساوية الإقدام في جواز الإخبار عن ألفاظها بل هو جاز في الألفاظ المهملة كقولك جسق مركب من حروف ثلاثة ودعوى أن الواضع وضع المهملات بإزاء أنفسها وضعا قصديا أو غير قصدي وأنها أسماء بهذا الاعتبار خروج عن الإنصاف ومكابرة في قواعد اللغة على أن إثبات وضع غير قصدي أمر لا يساعده عقل ولا نقل وإنما ارتكبه تفصيا عن إلزام الاشتراك في جميع الكلم والتحقيق أنه إنما أريد الحكم على لفظ يتلفظ بنفسه لم يحتج هناك إلى وضع ولا إلى دال على المحكوم للاستغناء بذاته عما يدل عليه فتشارك الألفاظ كلها في صحة الحكم عليها عند التلفظ بها أنفسها وإنما تحتاج إلى ذلك إذا لم يكن المحكوم عليه لفظا أو كان ولم يتلفظ به فنصب هناك ما يدل عليه ليتوجه الحكم إليه وما وقع في عبارة بعضهم من أن ضرب ومن وأخواتها أسماء الألفاظ الدالة على معانيها وأعلام لها فكلام تقريبي فقالوا ذلك لقيامها مقام أسماء الأعلام في تحصيل المراد أقول إذا كان من العلماء من ذهب إلى ذلك القول وصح حمل ذلك القول إلى الكلام التقريبي فليكن كلام مولانا السعد التفتازاني رحمه اللّه في هذا المقام تقريرا لكلامهم هذا بحسب التوجيه التقريبي والتأويل بقدر الإمكان ولم يكن هو رحمه اللّه منفردا في إحداث هذا الكلام ولم يخترعه هو من نفسه حتى يطعن في قوله هذا تعصبا ويحكم بأنه خروج عن الإنصاف ولا يستحق العتاب من أورد كلام القوم ووجهه بحسب الإمكان والعقوبة لا تكون إلا بقدر الجرم ولو فرض أن هذا الكلام جرم فالإنصاف أن ينسب الجرم إلى فاعله لا إلى حاكيه وناقله
وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى
[ الأنعام : 164 ] .
هامش
( 1 ) وجوابه أنه لا نسلم أن كل ما دل على معنى مقترن بالزمان فهو فعل وإنما كان كذلك إذا كان دلالته بالوضع وبالذات وهنا ليس كذلك .