قوله : ( والمخل بالعمل فاسق مغضوب عليه ) أي المخل بالعمل والتارك له ولو مع العلم بذلك فاسق سواء كان في مرتبة التغابي أو الانهماك أو الجحود من مراتب الفسق فالمراد بالفاسق هو العاصي مطلقا لا بمعنى الكافر فقط كما أن المراد بالعصاة فيما سبق هي الفساق مطلقا فيتوافق الكلامان فيتم التقريب ولو أريد بالعصاة معنى غير ما أريد بالفاسق لا يتم التقريب فإن أريد بإخلال العمل إخلاله بجميع مراتبه فالأمر ظاهر وإن أريد إخلاله ببعض مراتبه دون بعض فإن لزم منه ارتكاب الكبائر فهو فاسق عاص وهذا هو الظاهر من كلام المص وإن لم يلزم منه ذلك الارتكاب فليس بفاسق وهذا الكلام من المصنف إشارة إلى اختلال القوة العاملة واختلالها بترك العمل وإن علم أن ذلك العمل واجب أو حرام ولو غفل عن عمله أيضا لكان من قبيل اختلال القوة العاقلة وإنما قدمه مع أنه مؤخر فيما مر إذ الفصل الواحد أولى من الفصلين وإلا فالإخلال بالعلم أقبح لأنه شامل للكفر بل هو المتبادر منه فاللف والنشر المرتب أولى بالنظر إليه .
قوله : ( لقوله تعالى في القاتل عمدا وغضب اللّه عليه ) لكونه من الكبائر ولا قائل بالفصل فيكون كل مرتكب الكبيرة فاسقا مغضوبا عليه فيتم التقريب وهذا بناء على أن المراد بمن في قوله تعالى :
وَمَنْ يَقْتُلْ
[ النساء : 93 ] المؤمن القاتل ولم يعتقد حله فيكون كبيرة فثبت المدعي وإما إذا أريد به الكافر أو المؤمن لكن اعتقد حل قتل المؤمن فلا يثبت المدعي ولما كان المراد بإخلال العمل ما يلزم منه ارتكاب الكبائر علم أن كل مخل بالعمل بهذا المعنى فاسق مغضوب عليه إذ المراد بالغضب الغضب في الجملة ولا ريب في تحققه في كل مرتكب الكبيرة فلا إشكال بأنه إن أراد أن كل مخل بالعمل فاسق مغضوب عليهم فهو ممنوع ولا يدل عليه ما ذكره من الدليل وإن أراد أن بعض المخل بالعمل كذلك فهو مسلم لكن لا يصلح لكبروية الشكل الأول انتهى .
قوله : ( والمخل بالعلم جاهل ضال ) أي الغافل عما يجب علمه وإن كان عاملا وعابدا جاهل ضال عن الطريق القويم إذ لا واسطة بين الحق والباطل ( لقوله تعالى :
فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ
[ يونس : 32 ] ) فإن الحق هو الاعتقاد الذي طابق الواقع فالضلال المقابل له هو الجهل سواء كان الجهل بذات اللّه تعالى وصفاته ونحوه وهو كفرا والجهل بنحو وجوب الصلاة والزكاة قيل فانقسم الناس بحسب العلم بما ينبغي والعمل به إلى أقسام ثلاثة لا يخرجون لأنه إما عالم به أو جاهل والعالم إما عامل أو مخالف والعلم العامل هو المنعم عليه وهو المزكي نفسه المفلح المشار إليه بقوله :
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها
[ الشمس : 9 ] والعالم المتبع لهواه هو المغضوب عليه والجاهل هو الضال المشار إليهما بقوله تعالى :
وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها
[ الشمس : 10 ] انتهى والناس في إخلال العمل متفاوت كترك الإنفاق والحج إخلال للغني دون الفقير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تركهما إخلال لمن قدر من العلماء والأمراء دون غيره وقس عليه ما عداه فثبت أن المخل بالقوة العاملة سواء كان مع الكفر أو لا فاسق مغضوب عليه وأن المخل بالقوة العاقلة سواء