تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 285

مساهمون:

ص٢٨٥
بالحق والأحكام العملية بالخير لنكتة لطيفة ووجهه هو أن الحق في اللغة بمعنى الثابت ولما كان المراد بالأحكام الاعتقادية ما كان ثابتا في نفسه ولا يكون لقدرتنا مدخل في وجودها كان التعبير عنها بالحق أنسب والخير حصول الشيء لما من شأنه أن يكون حاصلا له أن يليق به ويناسبه ولما كان المراد بالأحكام العملية ما يكون لقدرتنا مدخل في وجودها وحصولها منوط بقدرتنا ولم يكن ثابتا في نفسه كان التعبير عنها بالخير أليق بهما وإن كان كل منهما حقا بالمعنى المقابل للباطل وخيرا بالمفهوم المقابل للشر وهذا وجه التفنن على هذا الأسلوب ثم المراد بالخير أعم من الفعل والترك والشرور المعاصي تركها خير وكذا العمل شامل للتروك كما بين في حديث : « إنما الأعمال بالنيات » إذ المراد بالتروك كف النفس مع الاقتدار على إتيانها وهو خبر يثاب عليها وإما الترك بلا نية وبلا اقتدار على إتيانها فليست من باب الخير لا يثاب عليها صرح به شراح الحديث وكذا صرح به في أوائل التلويح والمراد بالعمل أعم من العبادات وغيرها واختار العمل لأنه أخص من الفعل كذا في شرح القسطلاني نقلا عن الخطابي . قوله : ( فكان المقابل له من اختل إحدى قوتيه ) ولما كان من اختل إحدى قوتيه مقابلا له فكون من اختل كلتا قوتيه مقابلا له بطريق الأولى والأحرى فلذا لم يذكره وأيضا ما كان مقابلا له في النظم الجليل من اختل إحدى قوتيه على ما اختاره المصنف لا من اختل كلتا قوتيه والمتقابل بين الذوات تقابل بسبب اشتمالها الوصف المتقابل والتقابل الحقيقي بين الصفات القائمة بها ولما كان التقابل في النظم الكريم بين الأشخاص بين المصنف التقابل بين الذوات وإن كان هذا بالنظر إلى الصفات قيل وينبغي أن يعلم أن كون المنعم عليه ما ذكر إنما يصح على تقدير البدل أو الصفة المبينة وإما على تقدير الصفة المقيدة فلا إلا أن يبنى الكلام عليه لرجحانه أو يقال أراد الأعم مما قيل التوصيف أو بعده انتهى والوجه الأخير هو المراد هنا وأمثاله . قوله : ( العاقلة والعاملة ) بدل من القوتين بدل الكل من الكل إن اعتبر بعد العطف أو بدل البعض بتقدير الضمير إن لوحظ البدلية قبل العطف والمراد بالعاقلة ويسمى قوة نظرية ما يتأثر النفس عما فوقها من المبادي العالية ويستفيض منها العلوم النظرية وكمالها بهذا الاعتبار هو معرفة الحق لذاته وأما العاملة ويسمى قوة علمية أيضا فهي التي تؤثر بها فيما تحتها من الأبدان وتتصرف فيها وكمالها بهذا الاعتبار تهذيب الظاهر بالشرائع النبوية والباطنة بالأخلاق المرضية وهو الذي أشار إليه بقوله والخير للعمل به ولكل منها مراتب أربع فصلت في شرح المطالع وحواشيه واختلالهما باختلال جميع مراتبهما وأما الاختلال ببعض المراتب دون بعض فإما داخل في المنعم عليه أو داخل في الأخيرين على بعض الاحتمالات أو واسطة قيل والمراد بالاختلال هو الاختلال صفة فقط بقرينة قوله والمخل بالعمل فاسق مغضوب عليه لأنه ذكر العمل والعلم ولأن من اختل ذات إحدى قوتيه ليس كذلك انتهى لم يتعرض له كما في أكثر مواضع القرآن حيث يبين حال المؤمنين الكاملين والكافرين المعتدين ولم يذكر حال المؤمنين القاصرين .