إشكال منشأه تفسير الهداية بالدلالة وتقسيمها إلى أجناس مترتبة لا مجرد بيان هداية ما وصل الحامد إليها وهذا المعنى أيضا مجاز بإرادة المسبب من السبب واتصاله .
قوله : ( فإذا قاله العارف الواصل عنى به أرشدنا طريق السير فيك لتمحو عنا ظلمات أحوالنا وتميط غواشي أبداننا ) الظاهر أنه تفريع على قوله فالمطلوب إما الزيادة أو الثبات للتنبيه على أن طلب الزيادة يختلف باختلاف الأشخاص بل باختلاف الأوقات وإلى هذا أشار سيد العارفين وسند الواصلين نبينا عليه السلام لأنه وصل إلى غاية مبتغاه ونهاية مناه في خبر لطيف أخرجه مسلم عن الأغر المزني « إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر اللّه في كل يوم مائة مرة » وكان عليه السلام في نهاية الكمال في الارتقاء إلى درجات الجلال وكان إذا ارتقى في كل ساعة إلى حالة ولاحظ ما في حالته الأولى من النقيصة بالنسبة إلى ما فوقها استغفر عنه وهذا الوجه أحسن الوجوه التي ذكرت في حل الحديث الشريف فعلم منه أن الحالات والسير فيها غير متناهية فالعارف الواصل يطلب في كل ساعة الإرشاد إلى حالة هي فوق الحالة الأولى فيترقى في كل ساعة إلى المقامات العلى كما أن غير العارف يطلب الوصول إلى مبدأ تلك الحالات والمقامات العاليات والمراد بالعارف الواصل إلى المرتبة العليا من التقوى وهو التنزه عما يشغل سره عن الحق والتبتل إليه بشراشره بحيث لا يخطر بباله شيء سواه ولو خطر ما سواه لشاهده مع اللّه أو شاهد اللّه قبله والأول مرتبة حبيب اللّه نبينا عليه السلام حيث قال :
لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا
[ التوبة : 40 ] والثانية مرتبة موسى كليم اللّه عليه السلام حيث قال :
إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ
[ الشعراء : 62 ] وكم بين المرتبتين فرق عظيم كما أن بينهما من جهة القرب فرقا جسيما والمراد بالواصل الواصل إلى مرتبة السير في طريق اللّه تعالى وبهذا البيان يندفع الإشكال بأنه كيف يصح للعارف طلب المحو والإماطة مع أنه مرتبة السالك وجه الاندفاع هو أن المطلوب ما لم يحصل بعد من تلك المراتب السنية إذ قد عرفت أن الحالات غير متناهية بالنسبة إلى رسولنا عليه السلام فما ظنك بغيره من سائر الأنام فما لم تحصل تلك الحالة بعد فهو كالظلمة في عدم الانكشاف فيطلب العارف وصولها حتى لا تبقى آثار الظلمة ومراسم الكدرة وهكذا إلى غير « 1 » النهاية فلا ينتهي هذا السير إلا بفناء السائر وطلب إماطة الغواشي أي كأنه الغواشي
هامش
( 1 ) ومن هذا ظهر ضعف ما قاله ابن العربي محيي الدين العربي ومن شهد الخلق عين العدم فقد وصل وهذا مرتبة عين اليقين وعند هذا يتم السير إلى اللّه تعالى وهو المسمى بالتزكية والتحلية إلا أن يقال إن العارف الواصل إنما يطلب محو ظلمات تعرض في السير في اللّه قال مولانا خسرو ولعله الذي أشار إليه سيد الرسل وهادي السبل عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات بما أخرجه المسلم في صحيحه من قوله عليه السلام : « أنه ليغان على قلبي » الحديث ثم قال وثانيا إن الوصول لا يقتضي الدوام عليه ولا المحو والإماطة المذكورين بالكلية لأن السالك ما دام في دار الابتلاء لا يتخلص بالمرة عن درك الشقاء انتهى فحينئذ يتم ما ذكره ابن العربي لكن ما ذكره منلا خسرو وإن سلم صحته في العارف الغير الأنبياء لا يسلم إمكانه في شأن الرسل لا سيما في شأن رسولنا عليه السلام بل المعنى الصحيح ما نقلناه من شراح الحديث فإن قوله لا يتخلص بالمرة في شأنه عليه السلام هفوة من طغيان القلم واللّه تعالى اعلم والحاصل أن السير إلى اللّه يتم والاستغفار المذكور وطلب المحو للدوام عليه وإن بين السير إلى اللّه والسير في اللّه فرق والأول يتم دون الثاني وقد عرفت ضعفه .