للتوقي عنها وبهذا الاعتبار عد من الدلالة بلطف إذ فرق بين الشيء وبين طريقه فلا ينافي ما سبق من اختصاص الهداية بالخير حقيقة ولا يحتاج إلى ارتكاب المجاز أيضا ( وقال :
وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى
[ فصلت : 17 ] ) اختار المصنف هنا كون هدايتهم بنصب الدلائل العقلية فعد من الثاني وتفسيره بقوله فهديناهم الحق بنصب الحجج وارسال الرسل احتمال آخر وكثيرا ما يختار المصنف الوجه لبيان المعاني في موضع والوجه الآخر في موضع آخر فلا اشكال فيه لكن الحصر مختل لما ذكرنا وعلى مسلك المصنف في الآيتين حذف وإيصال والإيصال ليس بمعتبر في مفهوم الهداية فالهداية في الآيتين عدم كونها بمعنى الإيصال لا يضره فلا وجه لما قيل والمصنف تبع فيه الزمخشري والهداية فيه أي قوله فهديناه متعدية بنفسها وليست بمعنى الإيصال بل بمعنى الإراءة انتهى والمصنف لم يثبت كونها متعدية بنفسها بل حمل الهداية في مثله على الحذف والإيصال .
قوله : ( والثالث الهداية بإرسال الرسل وإنزال الكتب ) الباء باء الطرقية كما مر بيانه فنفس الارسال هداية مخصوصة آخره لأن الدليل العقلي مقدم على الدليل النقلي إذ لولاه لما ثبت الدليل النقلي وأعاد الهداية تذكيرا للمقصود لنوع بعده من المقسم بخلاف الأولين قيل الظاهر أن المراد بالرسل ما يعم الملائكة لتناول هذا الجنس من الهداية الأنبياء عليهم السلام انتهى وهذا بناء على أن المراد بالرسول ليس إنسانا بعثه اللّه تعالى بل المعنى اللغوي الشامل له وللملائكة ولا يخفى بعده .
قوله : ( وإياها عنى بقوله تعالى :
وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا
[ الأنبياء : 73 ] ) الآية وهذا الجعل فعل اللّه تعالى وهو المراد بهداية اللّه تعالى إذ إرسال الرسل أي الأنبياء عبارة عن جعل المذكور لا الهداية المدلول عليها بقوله يهدون فإنها فعل الأنبياء عليهم السلام حقيقة إذ المراد إراءة الطريق وهي فعلهم كسبا وإسناد الفعل إلى الكاسب حقيقة ولا حاجة إلى التمحل الذي ارتكبه البعض ومراده بقوله : ( وقوله :
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ
[ الإسراء : 9 ] ) الآية أي إنزال هذا القرآن الذي هو هدى وشفاء لكل أمراض وداء والقرينة عليها قوله إنزال الكتب فإنه لو لم يكن هذا مرادا هنا لاختل الارتباط والانتظام ولا يوجد بين الكلام التئام وأيضا ليس بيان انزال القرآن المجيد فقط بل بيان انزال الكتب السماوية لقوله بإرسال الرسل وإنزال الكتب بصيغة الجمع والآية الأولى أيضا قوله :
وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى
[ فصلت : 17 ] أي نصبنا لهم دلائل الصلاح والفساد وهي وجود العالم وإمكانه وحدوث الحوادث الدالة على وجود الصانع الحي العليم القادر المريد الخالق وعلى وحدانيته فإن من نظر في هذه الأشياء نظر التأمل وتوسل بها إلى تلك المقاصد وصدق بها نال كل سعادة وخير ومن أهمل النظر في هذه وتكاسل ولم يصدق بتلك المقاصد أصاب كل شقاوة وشر .
قوله : وقوله
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ
[ الإسراء : 9 ] أي يهدي إلى الخصلة أو الملة التي هي خصلة أو ملة أقوم .