تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
بها من الضروريات إلى النظريات وبعبارة أخرى هي القوة التي يدرك بها النفس الأمور الكلية وبها يمتاز الإنسان عن سائر الحيوان ولذا قدمها وأما الحواس فمشتركة بين الحيوانات وإنما قال كالقوة العقلية ولم يقل كالعقل تصريحا لما هو المختار عندنا إذ العقل فيه مقالات كثيرة والمختار منها كونه قوة عقلية ( والحواس الباطنة ) قدمها مع الاختلاف في وجودها لقربها من القوة العقلية إذ نهاية درك الحواس هو بداية الإدراك العقلي والتفصيل في التوضيح والحواس الباطنة مما اشتبه بعض المتكلمين والمصنف منهم وكتب الأصول مشحونة بيانها وتوضيحها ( والمشاعر الظاهرة ) واختار هنا المشاعر تنبيها على أن الإدراك بهذه الحواس يسمى شعورا وهل يسمى علما أم لا ففيه اختلاف . قوله : ( والثاني نصب الدلائل ) والنصب نفسه هداية كما أن الإفاضة المذكورة نفسها هداية وصحة قولنا أرشده وأراه الطريق بإفاضة وبنصب الدلائل لا ينافي ذلك فإن الباء في مثله باء الطرق كقولنا أكرمته بإعطاء الدينار وليس مثل قولك ادبته بالضرب كما زعم « 1 » فإن الباء فيه للآلة . قوله : ( الفارقة بين الحق والباطل والصلاح والفساد ) إشارة إلى وجه كونها ما به الهداية ولا يخفى أن المرتبة الأولى بهذا الوصف أحق وأحرى وأن المراد بالدلائل العقلية بقرينة الآيات والمقابلة الآفاقية وكونها فارقة بين الحق والباطل على إطلاقه بلا نظر إلى الشرع محل بحث لا سيما على مسلك الأشاعرة والمصنف من كبارهم المختار والتعميم إلى الأدلة الشرعية يدفع ذلك لكن يفوت حسن المقابلة فالوجه حمل الكلام على الجزئية قيل أي في الاعتقادات إشارة إلى الكمال بحسب القوة العلمية كما أن قوله والصلاح أي في الأعمال والأخلاق إشارة إلى الكمال بحسب القوة العملية انتهى ويظهر ضعفه مما ذكرناه آنفا ( وإليه ) أي إلى المعنى الثاني فقط لا إلى غيره ( أشار ) بقوله تعالى : ( حيث قال :
وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ
[ البلد : 10 ] ) أي طريقي الخير والشر بنصب الدلائل الفارقة بينهما ويؤيده قول الإمام ونظير هذه الآية قوله تعالى :
إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً
[ الإنسان : 3 ] وقد فسر المصنف هذه الآية بنصب الدلائل وإنزال الآيات لكن الحصر منظور فيه إذ الهداية المذكورة يمكن أن يراد بها الدلالة بإنزال الكتب وإرسال الرسل فيما يمكن ذلك إذ بعضها يتوقف على الشرع كما مر ولا وصول إليه بمجرد الدليل العقلي والنجد في الأصل المكان المرتفع فاستعير هنا الطريقين المذكورين وجه الشبه الوضوح حسا في المشبه به عقلا في المشبه فإراءة طريق الخير ليتمسك بها والدلالة إلى طريق الشر قوله : حيث قال :
وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ
[ البلد : 10 ] أي نصبنا له دليلي الخير والشر وطريقي الحق والباطل .
هامش
( 1 ) صدر الدين الشيرازي .