وإن جرت الألفاظ يوما بمدحة * لغيرك إنسانا فأنت الذي نعني
وأما استحقاقهم الثواب فبمقتضى وعده وموجب كرمه وأما اطلاق الحمد على الثناء بالجميل على غيره تعالى حقيقة أو مجازا فهو بحث لفظي فإن قيل إنه موضوع للحمد الثابت في نفس الأمر فإطلاقه على غيره مجاز وإلا فحقيقة قيل وينبغي أن يعلم أن الحقيقة ههنا بمعنى نفس الأمر دون الحقيقة اللفظية حتى يعترض بأنه يلزم حينئذ أن لا يتصف العباد بالحمد حقيقة بل تجوز أوليس كذلك فالعبد محمود حقيقة بحسب جلي النظر لكن بحسب دقيقه فالمحمود حقيقة هو اللّه تعالى دون العبد انتهى . فهو حقيقة في حمد العبد وأنت تعلم أنه لا يخلو عن كدر فالواضح الترديد المذكور وأما قوله في أوائل سورة سبأ وتقديم الصلة للاختصاص فإن النعم الدنيوية قد تكون بواسطة من يستحق الحمد لأجلها ولا كذلك النعم الأخروية انتهى . فهو مؤيد لما ذكره هنا لا مناف فإن استحقاق الواسطة الحمد لوساطته ليس باستحقاق في نفس الأمر بل بواسطته وما نفاه ههنا الاستحقاق على الحقيقة وفي نفس الأمر مع قطع النظر عما سواه فلا منافاة حتى يحتاج إلى المعذرة قوله ولا كذلك النعم الأخروية فإن الشفاعة وإن كانت سببا لوصول نعمة الآخرة لكن وصولها بها من اللّه تعالى حقيقة وصورة لا من الشفيع ولو صورة بخلاف النعم الدنيوية .
قوله : ( فإن ترتب الحكم على الوصف يشعر بعليته له ) قيل لما ذكر أنه الحقيق ولا أحد أحق منه ثم أضرب عن الأحقية إلى نفي استحقاق الغير رأسا أشار إلى وجه ذلك انتهى . الأحسن أن يقال لما ذكر أنه الحقيق بالحمد بطريق الحصر لكونه معرفا بلام الجنس وأردف قوله ولا أحد الخ للتنبيه على الحصر المذكور ثم ترقى بتصريح سلب استحقاق الغير على الحقيقة للمبالغة حاول بيان ذلك فقال فإن ترتب الحكم الخ . والمراد بالحكم هو ثبوت الحمد له تعالى المفهوم من قوله الحمد للّه كذا قيل وظاهره أنه حمل قوله الحمد للّه على جملة خبرية ولا يخفى أنه انشاء معنى والاعتبار للمعاني والإنشاء من حيث إنه انشاء لا يعلل إلا أن يقال إن العلة ما يفهم منه من الإخبار بأنه مستحق له على الحقيقة توضيحه قد مر سابقا أن قول القائل الحمد للّه ليس بحمد حتى يعلل وإنما الحمد ما يستفاد منه وهو الثناء بأنه تعالى مستحق للحمد لا يستحقه غيره على الحقيقة وهذا إنشاء والاعتذار ما مر ولا يبعد أن يقال إن العلة لإثبات أن جنس الحمد أو جميع أفراده مختص به تعالى وبعد ثبوت الحكم بتلك العلة يوجد الحمد والثناء بالطريق المذكور ومعلوم أن العلة لا توجد في غيره تعالى وإن علة الحمد منحصرة فيه فلا تتصف غيره تعالى بالجميل أصلا فضلا عن الاختياري الذي هو المحمود عليه إلا مجازا وصورة باعتبار كونه مظهر آلة وواسطة فيفيد اختصاصه باستحقاق الحمد على الحقيقة فالتقريب تام بملاحظة هذه المقدمة لكن يرد عليه أن الشيء له علل شتى فيصح أن يوجد في غيره تعالى علة أخرى تصلح لكونه غيره مستحقا للحمد بها ودعوى انحصار العلة في هذه الأوصاف غير مسلم مع أن كلام المصنف ساكت عن ذلك والقول بأن ثبوت العلة مع عدم ظهور علة أخرى يفيد الظن