تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 198

مساهمون:

ص١٩٨
وهم أولى الناس بأن يقرؤوا القرآن غضا طريا كما أنزل وقراءهم الأعلون رواية وفصاحة وقد وافقهم غير الثلاثة المذكورين وافقهم قراء البصرة والشام وحمزة من الكوفيين ولا ريب في أن بعض القراءة أبلغ وأفصح من بعض قال المصنف في سورة هود في قوله تعالى :
وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ
[ هود : 81 ] والأولى أن يجعل الاستثناء في القراءتين عن قوله
وَلا يَلْتَفِتْ
مثله في قوله تعالى :
ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ
[ النساء : 66 ] ولا يدع أن يكون أكثر القراء على غير الأفصح انتهى . إذ نصب المستثنى في كلام غير موجب غير مختار والبدلية افصح منه مع أن أكثر القراء المتواتر قراءتهم اختاروا الغير الأفصح فصح أن يقال إن هذه القراءة أفصح وهو المختار والسر فيه أن جميع القرآن أسوة في حد الإعجاز لكن بعضه أبلغ من بعض كما صرح به أرباب المعاني والمحقق التفتازاني في المطول وأيضا جوز ترجيح بعضه على بعض باعتبار المعنى كسورة الإخلاص مثلا أفضل من سورة لم تشمل التوحيد حتى ورد أنها تعدل ثلث القرآن في خبر شريف صحيح فما المانع من ذلك بحيث لا يؤدي إلى تنقيص غيره . قوله : ( ولقوله تعالى
لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ
[ غافر : 16 ] ) وصف ذاته بأنه الملك يوم القيامة وهو يوم الدين والقرآن يفسر بعضه بعضا فالمناسب له ههنا ملك لا مالك ولا يخفى عليك أن الآية السابقة يناسب لها مالك لا ملك والقول بأنها لا تعارضه لأنه ليس نصا في المالكية كما مر مدفوع بما أوضحناه لك إلا أن يقال إن الوجوه الثلاثة علة واحدة كما يشعر به كلمة الواو وإعادة اللام ليس نصا في كونه دليلا مستقلا على كونه مختارا ولم يذكر قوله تعالى :
مَلِكِ النَّاسِ
[ الناس : 2 ] للتأييد لأنه تعالى ملك الناس في الدارين فالآية لا تطابق موضع التأييد في اختصاصه تعالى بالملك يوم القيامة وقيل في وجه التأييد فيه نصرة للكشاف أنه كما عقب تعالى وصفه بالربوبية بالملكية في خاتمة القرآن ناسب أن يعقبه كذلك في الفاتحة وهذا وجه وجيه ولا يضره عمومه في الدارين لأن ملكية يوم القيامة تدخل دخولا أوليا . قوله : ( ولما فيه من التعظيم ) الأولى لما فيه من زيادة التعظيم إذ لا ريب في كون المالك تدل تعظيما لا سيما في مالكية جميع الأشياء فإن لفظ الملك كالسلطان فيه دلالة على العظمة إذ قلما يخلو أحد من الناس من كونه مالكا ولا يكون ملكا إلا أعلاهم [ الانفطار : 19 ] دخل في الاستدلال قلت أجل له دخل فيه لأنه مشعر بمفعول مالك المحذوف لأن تقديره مالك الأمور يوم الدين فهو بيان لزيادة مناسبة بين الدليل والمدلول وإيماء إلى أن مالك متعد محذوف المفعول وإن إضافته إلى يوم الدين في المآل من باب الإضافة إلى الظرف كقبل الطف لا من قبيل الإضافة إلى المفعول به حقيقة كما هي كذلك الآن يرشدك إليه تنظيره بقوله يا سارق الليلة أهل الدار حيث صرح فيه ذكر المفعول به ذكر صاحب الكشاف لاختيار الملك وجهين آخرين حيث قال ولقوله :
مَلِكِ النَّاسِ
[ الناس : 2 ] ولأن الملك أعم والمالك أخص الوجه الأول مبني على رعاية التناسب بين الفاتحة والخاتمة مع ما فيه من التدريج من الوصف بالربوبية إلى الوصف بالملكية والثاني على أن يراد بالعموم والخصوص معنياهما اللغويان لا معنياهما المصطلح عليهما لعدم دخول أحدهما تحت مفهوم الآخر فالمراد أن ما تحت حياطة الملك من حيث كونه ملكا أكثر إفرادا مما تحت حياطة المالك من حيث إنه مالك .