القبر ، فحرم الكعبة أفضل منه ؛ لأن ما أضيف إلى اللّه أفضل مما أضيف إلى غيره ، والاختلاف في أن أي الحرمين أفضل مما لا ينبغي أن يقع ؛ لأنه من الجهل بما ذكرنا ، فإن قلت : فإذا كان القبر من الكعبة ؛ فلم لا يطاف حوله ، قلت : لأنه دفن فيه المخلوق ، وإن كان أعظم مخلوق في العالم ، فلو رخّص في طوافه ؛ لقيل في حق صاحبه كما قيل في حق عيسى .
وقد ورد : « اللّهم لا تجعل قبري وثنا يعبد » « 1 » ؛ ولذا لا يصلّي إلا من وراء حجاب ، لكان التعظيم للّه فقط ، ففرّق بين السرّ الباطن ، والخلق الظاهر ، وصيانة اعتقاد العامة أوجب .
وفيه إشارة على بكة القالب ، وأول بيت وضع فيه ؛ هو القلب ، فإن تعيّنه كان قبل تعيّن سائر القوى ، وكما أن الكعبة قبلة للناس ، وقطب البيوت ، وأول المساجد ؛ فكذا القلب قبلة القوى ، ومدار الأحوال ، وأقدام المشاهد ، وهو مهبط الوحي ، والإلهام ، والملائكة ، وموطئ أقدام الواردات ؛ ولذا عظم شأنه ، وعظّمه اللّه والملائكة ، كما عظّم شأن البيت مباركا ؛ لأنه يترك به من حيث إنه بناء اللّه في الحقيقة ؛ كالإنسان وقلبه ، وإن أضيف في الظاهر إلى الخليل عليه السّلام .
وقوله عزّ وجلّ :
وَهُدىً لِلْعالَمِينَ
[ آل عمران : 96 ] ؛ لأن الحج هداية إلى اللّه ومرضاته ، والقلب هداية إلى اللّه وقربه ووصاله .
فالمراد بالعالمين : المؤمنون ، والقوى ، والأعضاء ؛ لأن كلّا منهم علم للحق ، ومنار لوجوب الوجود ، ووحدته ، وسائر صفاته .
56 - في الصحيح : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من سرّه أن يبسط في رزقه ، وينشأ في أثره ؛ فليصل رحمه » « 2 » :
أشار بالرحم إلى الاسم الرحمن « 3 » فإنه مشتق منه ؛ لإفاضة الرحمن الجسمانية ؛
هامش
( 1 ) رواه مالك في الموطأ ( 1 / 172 ) ، وابن سعد في الطبقات ( 2 / 241 ) .
( 2 ) رواه البخاري ( 5 / 2232 ) ، ومسلم ( 4 / 1982 ) .
( 3 ) وأمّا اسم ( الرحمن ) فله الهيمنة على جميع الأسماء كاسم ( اللّه ) للّه الأسماء الحسنى ، وللرحمن الأسماء الحسنى وهما مدعوان :قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى-