تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الحقائق — صفحة 612

مساهمون:

ص٦١٢
وإلا فاللّه تعالى كان محيطا لا محاطا . وقد قال اللّه تعالى :
وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ
[ البقرة : 255 ] وهو الذي يحصل لقلوبهم بالتجليّات الأفعالية والصفاتية والذاتية . وقال اللّه أيضا :
فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ
[ الجن : 26 ، 27 ] . وكذا الولي الوارث تراه مرتضى مصطفى من بين العباد ، مختصا بالرحمة الخاصة من عند اللّه تعالى ، فمن طلب الحق تعالى وأسراره ؛ فليجده في قلب عبده المضاف إلى هويته المطلقة ، فإنه يجده هنالك على وجه التمام والكمال ، لزيادة قابلية المظهر ، وسعة قلبه ، فعلوم المعلومات التي تجلّى بها الحق تعالى خلقا وأمرا ؛ حاصلة لقلوب الكمّل إلا ما استأثر به في غيبه ؛ وهي الممتنعات ، وإلا لأبرزها الحق تعالى أيضا ، فهي بالنسبة إلينا ممتنعة ، وما عداها ممكنة ، ومن ثم قالوا : ليس في علم اللّه إلا الواجب والمستحيل . وإنما الإمكان بالنسبة إلى الممكن ، وفيه شائبة الإيجاب على ما ذهب إليه الفلاسفة ؛ لكن ذلك لا ينافي الاختيار . كما قال تعالى :
وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ
[ النحل : 9 ] . أي : لو شاء هدايتكم ؛ لهداكم أجمعين ؛ لكنه لو يشاء ذلك ؛ بل إخبار عدم هداية البعض ، وأوجبه على نفسه لما يقتضيه استعداده الغير المجعول ، كما كتب على نفسه الرحمة في حق من شاء من عباده لما يستدعيه استعداده الغير المجعول أيضا ؛ فهو إيجاب ذاتي رحمة ، أو غضبا تابع للاستعدادات ، واللّه تعالى هو الخلّاق ، فإذا وقفت على هذا المعنى فقد أحطتّ بعزيز الأسرار خبرا ، واللّه العليم . قال اللّه سبحانه وتعالى :
لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ
[ البقرة : 255 ] . لأن ذلك من الغفلة الطارئة من حكم الطبع الحيواني ، واللّه تعالى حيّ بحياة ذاتية أصلية ليست من جنس الحياة الطبيعية الملكية ، ولا من جنس الحياة الطبيعية البشرية ، ولا من جنس الحياة الطبيعية الحيوانية . فإن هذه الحياة بأنواعها داخلة تحت الطبيعة مطلقا ، أمّا حياة الملك فداخلة تحت الطبيعة الكلية ؛ ولذا كانت حياته نورانية ، ولم يطرأ على حياته موت حيواني ؛
مرآة الحقائق — صفحة 612 | أحمد فريد المزيدي / الشيخ اسماعيل حقي البروسوي