فما كان من النفس ؛ فهو راجع إلى النفس ، وما كان من الروح ؛ فهو راجع إلى الربّ ؛ لأن الروح منفوخ الربّ ، فكما أنه تعالى لا ينفخ إلا ما هو نافع ؛ فكذا الروح لا ينفخ إلا ما أخذ من النافخ ، فالبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه ؛ ولذا يكون نباته نباتا حسنا ، والذي خبث لا يخرج إلا نكدا قليلا لا جدوى فيه ولا خير .
قال اللّه تعالى وسبحانه :
لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ
[ الفتح : 29 ] .
اعلم أن ما يفعلونه من تزيين السوق عند ظهور الفتوحات الصورية مأخوذ من هذه الآية الكريمة ، فإنه سبب يغيظ الكفار ، وما هو سبب له فهو المشروعات إلا أن من آمن في هذا الزمان ؛ لم يزل من خلط عمله بالسيئ ؛ لقوة النفس الأمّارة ، وشدة شكيمتها ، فلا يقدر على كبح عنانها إلا أهل التقوى .
فالخير اليسير إذا أدّى إلى ضرر كثير ؛ وجب تركه ، وفيه إشارة إلى أن القلب إذا كان مفتوحا بتأييد اللّه تعالى ؛ فلصاحب القلب أن يعمل بالرّخص في بعض الأوقات من تزيين الظاهر بالألبسة المشروعة ، وأكل الطيّبات ، وزيارة الأخوان في اللّه ، ونحو ذلك ، فإنه متدارك بفضل اللّه تعالى وبرحمته ؛ إذ لا يباشر أمرا إلا بالحق ؛ وهو النكاح الصحيح فلا يلد إلا ولدا لرشده .
وقد قالوا : الفاني لا يردّ إلى أوصافه إلا من ذاب الكمّل أن يجددوا الشكر كلّما تجدّدت النعم الإلهية ، وشكرهم هو القيام بأمر العبودية من غير نظر إلى الرّخص إلا نادرا ، فزينتهم الظاهرة : الطاعات المشروعة ، وزينتهم الباطنة : لباس التقوى ، وما يرد من اللّه تعالى من الأسرار والحقائق ؛ لأنه لباس لهم في الحقيقة .
ألا ترى إلى قوله تعالى : « لا يسعني أرضي ولا سمائي ؛ ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن » « 1 » ، فكما أن ظاهر المؤمن يسعه لباسه ، وإلا لم يكن محاطا به ؛ فكذا باطنه يسع الحق وأسراره ؛ فيكون كاللباس له .
ويلزم من ذلك : أن يكون الحق تعالى محاطا ، فإن المقصود من ذلك الكلام الإلهي : بيان سعة قلب المؤمن الكامل ، وكونه عرش الرحمن ، ومحل نزول مائدة المنان ،
هامش
( 1 ) تقدم تخريجه .