51 - في صحيح مسلم : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفا » « 1 » :
اعلم أن إضافة الفقراء إلى المهاجرين تقتضي أن يكون المهاجرون صنفين :
الأول : أغنياؤهم ، ومن في حكمهم ؛ فإنهم كانوا يعدّون من له امرأة ، ومسكن ، وخادم من الملوك ، وإن لم يكن له مال آخر .
والثاني : فقراؤهم ؛ وهم على ما جاء في الحديث الكوثر : « الدنس الثياب ، الشعث الرؤوس ، الذين لا يروجون المنعمات ، ولا يفتح لهم أبواب السدد ، ويموت أحدهم وحاجته تتلجلج في صدره لو اقسم على اللّه لأبرّه » « 2 » ؛ فهم الذين يسبقون الأغنياء في دخول الجنة ، وفي الورود على نهر الكوثر في الجنة .
وتحديده : « بأربعين سنة » : لا ينافي تحديده : « بخمسمائة عام » ، على ما جاء في رواية أخرى .
فإن المراد بالأربعين : التكثير ؛ فيكون مدة سبقهم الأشياء خمسمائة عام .
وسرّه : ان لهذه الأمة يوما واحدا هو ألف سنة كما جاء في الحديث :
« إن استقامت أمتي ؛ فلها يوم ونصف هذا الألف هو خمسمائة عام تقدّم بها الفقراء » ؛ لأن فتوح الدنيا إنما كملت بعد مضي النصف الأول من الألف ، فكان أكثر الأولين بالنسبة إلى الآخرين في عسرة وضيق ، فكانوا أحق بالتقدّم بتلك المدة .
فإن قلت : المراد بالفقراء : الأغنياء وأغنياء المهاجرين ؛ كانوا في الصدر الأول لم يمض عليهم عقد من العقود ، فكيف بخمسمائة ؟ قلت : سرّه كما أن فقراء المتأخّرين ملحقون بفقراء المتقدّمين ، كذلك أغنياء المتقدّمين ملحقون بأغنياء المتأخّرين ، فكان
هامش
-فكأنما خمر ولا قدح * وكأنما قدح ولا خمرفهذه أنوار مندرجة بعضها في بعض مثل اندراج المثل في المثل ، واندراج الظل في الظل ، والنور في النور ، فافهم .
( 1 ) رواه ابن حبان في صحيحه ( 2 / 453 ) .
( 2 ) رواه الترمذي ( 4 / 629 ) ، وأحمد ( 5 / 275 ) بنحوه .