فكان عذاب الأمم السالفة بأنواع المثلات ، وعذاب قوم نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم بالسيف ، كما قال : « بعثت بالسيف ، والسيف أدنى العقوبات شناعة » « 1 » ، فكان ذلك من جملة الرحمات التي بعث بها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم .
فهذه هي صورة هجرة الأنبياء ، وفيها إشارة إلى أن مضي الهجرة للأنبياء ؛ إنما هو بمعنى مضي وقت النبوة ؛ لأن هجرة الأنبياء إنما تمضي بمضي أنفسهم ، وعدم بقاء واحد منهم ؛ فكأنه يقول : إن النبوة قد ختمت بي فلا هجرة بعد هجرتي ، فهذا يؤيد قوله تعالى :
وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ
[ الأحزاب : 40 ] .
« ولكن على الإسلام » : أي ولكن أبايعكم على الإسلام ؛ بمعنى أن مرتبة الولاية باقية إلى يوم الدين ؛ لأن الإسلام الحقيقي الذي هو الانقياد ظاهرا وباطنا ؛ إنما هو في صفات الأولياء .
« والجهاد » : أي مع الأعداء الظاهرة والباطنة ؛ بمعنى : إن مرتبة الطريقة باقية ببقاء الشرائع والأحكام ؛ وهي المرتبة العثمانية رضي اللّه عنه .
« والخير » : أي فعل الخيرات التي رغب فيها الشرع ؛ بمعنى : ان مرتبة الشريعة باقية ببقاء الأمة فلا نسخ لها أبدا .
فالإسلام : إشارة إلى مرتبة الحقيقة التي هي مرتبة الولاية ؛ لأنها لا تحصل إلا بالفناء والبقاء ، وليس ذلك إلا معنى الحقيقة في الحقيقة .
والجهاد : إشارة إلى مرتبة الطريقة التي هي مرتبة السلوك ؛ لأنها لا تحصل ولا تقوم إلا بالرياضات والمجاهدات ؛ وهي باقية ببقاء النفس .
والقوى الطبيعية ، والخير : إشارة إلى مرتبة الشريعة التي هي مرتبة العمل ؛ لأنها لا قوام لها إلا بأفعال الخير ؛ فهذه مرتبة الصلاح .
فالعبد إذا تحقق بها ؛ ترقّى إلى مرتبة السلوك بالعمل بحقيقة التقوى ، ثم إذا تحقق بمرتبة السلوك ؛ نال ما نال الصدّيقون ، وقوام الأمر هو الاعتقاد أولا ، فإنه أساس الخيرات ، وهي أساس ما فوقها من الطبقات .
هامش
( 1 ) رواه أحمد ( 2 / 50 ) .