عين الوجود الحقيقي ، فالوصول والظلمة لا يجتمعان أبدا ، كما أن الحجاب والنور لا يجتمعان أبدا ، نعم إن الحجاب إذا كان حجاب رحمة بالمهملة لا حجاب زحمة بالمعجمة ؛ فإن صاحبه على نور من ربه ، وكشف : أي كشف ، وهو كشف حجاب الوحدة عن وجوه الكثرة حتى يظهر الكثرات في عين الوحدة ، وهو أن تجمع ما له تعالى عليه ، وما لك أيضا عليه .
وترد الكل إليه فما في الكون إلا أسماؤه ونعوته ، وبه يظهر قوله : « فبي يسمع وبي يبصر » « 1 » .
فإذا جميع النعوت له تعالى ، فلست أنت أنت ، وهو هو ؛ بل هو أنت ، وليس في البين أنت ؛ إذ العين واحدة في الحقيقة ، واللّه هو الوكيل ، وهو الصاحب في السفر ، والخليفة في الأهل ، كما أن الشمس هي المضيئة في السفر ، وكذا هي الخليفة في إضاءة الأهل في البيت ، والحضر ، فليس لنورها غيبوبة أصلا ، فانظر ما ذا ترى ؛ فإنها مثال أجلى ، وبالنظر أجرى .
ورد : « والنظر في الأولى والأخرى ؛ فإنك عند سدرة المنتهى ، وأنت عند قاب قوسين أو أدنى » « 2 » .
فإذا أرددت النظر وكررت ؛ وجدت في كل نظر لذّة ؛ لأنه جديد ، ولكل جديد لذّة ، ولا تكرر في الوجود أصلا ؛ ولذا قيل للملوين الجديدان مع تكررهما ، فالصورة واحدة ، والمعنى متعدد .
قال تعالى :
وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً
[ البقرة : 25 ] ؛ يعني : إن التشابه لا ينافي الاختلاف في اللذّة ، واللّه واسع عليم لا ضيق عنده في تجليّاته ؛ ولذا وردت : « زدني علما » « 3 » : أي حيرة فيك ، إذ في كل حيرة تلوين مقبول ، وفي كل تلوين تمكين سرّي سرى ، فلك في كل نفس من الأنفاس تلوين وتمكين على أنه لا سكون في العالم ؛ بل الأمر حركة دائمة ، فاسعوا ؛ فإن في الحركات البركات ، واللّه واهب العطيّات .
هامش
( 1 ) رواه الحكيم الترمذي في النوادر ( 2 / 236 ) .
( 2 ) لم أقف عليه .
( 3 ) لم أقف عليه .