تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الحقائق — صفحة 598

مساهمون:

ص٥٩٨
وذلك لأن السير إمّا سير إلى اللّه ؛ وهو بالفناء التام في عين الجمع ، وليس لصاحبه عين ، ولا أثر لا من الهيئات المظلمة السابقة على فتح باب القلب ، ولا من التلوينات التي تظهر في الهيئات النورانية المتأخّرة عنه ؛ وهما الذنب المتقدّم ، والمتأخّر في قوله تعالى :
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ
[ الفتح : 2 ] . فإنه عند الاستغراق ، وظهور النور الأحدي الذي هو أصل الأنوار كلها ؛ لا يبقى ظلمة ، ولا تلوين أصلا ؛ بل كلاهما مستور مغفور بذلك النور الأحدي الذاتي في مقام السرّ . وإمّا سير في اللّه وهو : كشف مقام الفرق بعد الجمع ، والتعقيد بعد التحليل ، واللذّة الدائمة التي أشار إليها قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « وأسألك لذّة النظر إلى وجهك الكريم أبدا دائما سرمدا ، وقاب قوسين أو أدنى » « 1 » ؛ وهو الذات البرزخية التي تجمع بين الصفات كلها ، ولصاحبه البقاء باللّه في ذاته ونعوته . قالوا : أحب في العبارة أن يقال ، فإذا قاله العارف الغير الواصل عني بقوله : أرشدنا إلى كمال السير إليك ؛ ليستضيء بنور قدسك ، وإذا قاله الواصل عني بقوله : أرشدنا إلى طريق السير فيك ؛ لنفوز بمقام جمع الجمع الذي لا مستقر للكمّل دونه ؛ إذ ليس دونه حجاب ؛ بل هو رؤية الحق في الخلق ، ورؤية الخلق في الحق ، وهو سرّ قوله :
أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ
[ الشرح : 1 ] . فالعارف « 2 » إذا عرف اللّه تعالى حق المعرفة ؛ كان من الواصلين ، والواصل مستضيء بنور القدس ، فكيف يكون له ظلمة ؟ بل هو ظل الوجود الحقيقي ؛ بل هو
هامش
( 1 ) رواه النسائي ( 1 / 387 ) ، وذكره المناوي في فيض القدير ( 4 / 292 ) . ( 2 ) قال سيدي علي وفا : العارف عين معروفه ، والمحقق حقيقة ما حققه ، وعلى قدر شهود الكمال والتكميل تكون محبة الشاهد لمشهوده ، وعلى قدر صدق المحبة يكون تحقق المحب بمحبوبه ، وعلى قدر التحقق يكون ظهور المتحقق بحكم ما تحقق به عينا وأثرا ، ولكل مقام مقال ، ولكل مجال رجال ،وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ[ التغابن : 11 ] ،إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ[ فصلت : 54 ] . وهو هو بما هو هو سيدي وربي ، وهو مولاي وحسبي ليس إلا هو ، يا مولاي ، يا واحد ، يا مولاي ، يا دائم ، يا علي ، يا حكيم .
مرآة الحقائق — صفحة 598 | أحمد فريد المزيدي / الشيخ اسماعيل حقي البروسوي