تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الحقائق — صفحة 596

مساهمون:

ص٥٩٦
وفي الحديث إشارة إلى أن الفرق بين الزاهد والعاشق : إن الزاهد وإن كثر حسناته فلا يترقّى عن مقام الطبيعة ، والنعيم الحسّي ، وأمّا العاشق فله النعيم الحسّي بحسب عمله الحسّي ، وله النعيم الروحاني بحسب حاله المعنوي ؛ ولكن رزقه في الآخرة أكثر من رزقه في الدنيا صورة ومعنى ، إمّا صورة ، وإمّا معنى . فإن الإنسان في الترقّي دائما ، فما حصل له عند الاحتضار أكثر مما حصل له قبل ذلك ، وكذا ما حصل له في البرزخ أكثر مما قبله ، وقس على ذلك ما حصل في المحشر ، وفي الجنة ، وفي مقام الكثيب ؛ ولذا قالوا : الشوق دائم ، والنقصان لا يزول . وهذا مشرب من ليس له ري أبدا ، فإن كماله حقيقي بالنسبة إلى كمال من دونه ، وإضافي بالنسبة إلى أن السير في اللّه لا ينقطع أبدا ، فالأمر إذا لم يكن له انتهاء ؛ فالسالك في السير أبدا ، وهذا لأن اللّه تعالى غير متناه بذاته ، وأسمائه ، وصفاته ، وتجليّاته ، وهو الواسع ، فكيف الوصول إليه حتى ينقطع السير ؟ وقد قال تعالى :
فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ
[ محمد : 19 ] . فجعل الألوهية منتهى العلم إذ ما وراءها حيرة وبهت ؛ ولكن الأمر لمّا كان بسيطا ؛ كان السير بسيطا ، فالإنسان على السفر دائما ، ومن استوى يوماه ؛ فهو مغبون ، وليس الاستواء إلا بالوقفة ، أو بعدم المحرك من العشق والانجذاب ونحوهما . ولذا فضّل العمل الروحاني على الجسماني بأضعاف ، فأين العابدون من العاشقين ؟ وأين العاشقون من الواصلين ؟ وأين الواصلون من الحاصلين ؟ فاجتهد أن تكون من أهل المكاشفة ، ثم من أهل المشاهدة ، ثم من أهل المعاينة ، فأول الأمر الطلب ، ثم السير ، ثم الوصول والفناء ، ثم الحصول والبقاء ، فمن بقي مع اللّه ؛ فله بقاء بقاء اللّه ، فاعرف « 1 » .
هامش
( 1 ) قال الشيخ أبو المواهب الشاذلي : قال اللّه تعالى :وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى[ طه : 73 ] . قاعدة : البقاء مقام يملك حقيقة الشهود على بساط الأدب مع الشهود . فائدة : بقاء البقاء أكمل من البقا ، وصاحبه هاد مهتد بكمال التّقى . قاعدة : متى وجد البقاء وجد الصحو ، وإذا ذهب جاء السكر لصاحب المحو . فائدة : الباقي فاني ، وليس كل فان باقي . -