تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الحقائق — صفحة 593

مساهمون:

ص٥٩٣
الصفاء على كل حال ، وأين هو من غير الكامل المكمّل ؟ وإذا عرفت هذا ؛ فلا تقنع بقليل الكشف واليقين ، فإنه قد يكون مسلوبا ، كما وقع لكثير من السّلّاك حيث رجعوا قهقري ، واحتجبوا عن الحق احتجابا كثيفا ؛ وهو احتجاب الرحمة بالرأي لا الرحمة .

46 - في صحيح البخاري : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن الإيمان ليأرز إلى أهل المدينة ما تأرز الحيّة إلى جحرها » « 1 » :

الأروز كالدخول بتقديم المهملة ، الانقباض ، والتّجمع ، والانضمام ، والجحر بالضم ، وتقديم الجيم ؛ كل شيء يحتفره الهوام والسباع لأنفسها ؛ والمراد هنا ما يعبّر عنه بالفارسية : سوراخ . اعلم أن المدينة هو : النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كما قال : « أنا مدينة العلم وعليّ بابها » « 2 » ، وإيمان الناس ينضم إليه ، والوفي أواخر أوقاتهم ، وحين احتضارهم ، كما دلّ عليه قوله تعالى :
وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ
[ النساء : 159 ] . وقد شبّه الإيمان الاضطراري بدخول الحيّة في جحرها دخولها فيه لا يخلو عن سبب ضروري ، وشدة ، وضيق ، فالنفس الإنسانية أشدّ من الحيّة في الضرر ، والاعوجاج ، وإنما تستقيم وقت المعاينة للأحوال الأخروية ، وذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها . فالمراد بالإيمان : إيمان النفس ، ودخولها في مقام القلب الذي لا يقتضى إلا بالتصديق ؛ فإنه مدينة العلم في الحقيقة ؛ ولذا ورد : « استفت قلبك » « 3 » ، وهو المظهر للاسم العليم ؛ كالمغني . وفيه إشارة أخرى وهي : إن عليّا كرّم اللّه وجهه لمّا كان باب مدينة العلم ، والباب يعدّ من المدينة ، ومن البيت ؛ كانت الطرق المتفرّقة الحقة ، موصّلة إليه ، فليس طريق من الطرق الحقة إلا وسلوكها إلى ما كان عليه المرتضى من الاعتقاد ، والعمل ، والحقيقة .
هامش
( 1 ) رواه البخاري ( 2 / 663 ) ، وابن ماجة ( 2 / 1038 ) . ( 2 ) رواه الحاكم في المستدرك ( 3 / 137 ) ، والديلمي في الفردوس ( 1 / 44 ) . ( 3 ) تقدم تخريجه .