تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الحقائق — صفحة 592

مساهمون:

ص٥٩٢
يجهل ، وإن المجهول لا يعلم فاعرف . ومعنى ثم ههنا : التوقف في الترك ؛ لأنهم إمّا على الإدبار ، وإمّا على الوقوف ، وإمّا على الإقبال ، فكل من المدبّر والواقف مردود ، وكل من أهل الحركة والإقبال مقبول ؛ لأن الحركة غايتها السكون ، وليس السكون إلا عند الوصول ، فبعض السكون ليس بشيء ؛ كالسكون قبل الحركة ؛ لأن فيه الفراق ، ولذا قال تعالى حكاية :
وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ
[ البقرة : 156 ] ، إذ لا شك أن الرجوع لا يمكن إلا بالحركة . وأمّا السكون بعد الحركة : فسكون مقبول ؛ ولذا قالوا : الصوفي من لا مذهب له ؛ يعني : إن الصوفي الواصل لا مذهب له ، فإنه أين يذهب ، وهو عنده تعالى ؟ . وأمّا السير في اللّه : فلا نهاية له ؛ لأنه تعالى متجلّ في كل آن ، وقدير مطلق ، فلا غاية لشؤونه ، وهو الواسع العليم ، جعلنا اللّه وإياكم ممن لا ينفد شرابه ، ولا ينقطع خطابه آمين . قال تعالى :
ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ
[ الحجر : 46 ] . يعني : إذا دخل السالك جنة القلب ، ووصل على نهاية درجاتها ؛ سلم من آفات الظنون والشكوك ؛ لأنها مرتبة عين اليقين ، وحق اليقين ، ولا غاية وراءها ، فكلّ يرتقي بقدر حاله ؛ ولذا يقال للقارئ : اقرأ وارق إلى حيث ينتهي قراءتك . فالقارئ الحقيقي هو : المتخلّق بأخلاق القرآن ، والمتحقّق بحقائقه كما كان حال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فكما أنه لا نهاية لحقائق القرآن ؛ فكذا لا نهاية لدرجات السير في اللّه . وأمّا درجات الجنان الصورية فمحصورة كسور القرآن اللفظي ، وآياته ، وكلماته وحروفه ؛ وإنما قلنا : ووصل إلى نهاية درجاتها ؛ لأنه ليس في كل يقين سلامة ؛ ولذا قال تعالى :
وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ
[ الحجر : 99 ] : أي اليقين المطلق الذي هو غاية اليقين ، ولا تحصل إلا في نهاية الاطمئنان . فربّ سالك مردود إلى ورائه في بداية المطمئنة ؛ بل في وسطها أيضا ؛ لأن البداية والوسط من مظان الاضطراب والتلوين ، وهذا : أي التلوين لا يمدح إلا بعد التمكين ؛ لأنه تلوين التجلّي لا تلوين الاستتار ، فمن ادّعى النهاية ؛ فبرهانه وجود