تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الحقائق — صفحة 590

مساهمون:

ص٥٩٠
صلاح النشأة ، واستقامة المزاج ، حتى أن أهل بعض الديار كانوا يجربون الصبيان بالملاهي ، فإن أظهروا النشاط ؛ دلّ ذلك على استعدادهم لما طلب هو له ؛ كالسلطنة ، ففيه مدح للصبوة ، وذمّ لعدمها . والصبوة هاهنا : الصبوة المقبولة ؛ وهي الميل عمّا سوى اللّه تعالى إلى اللّه تعالى ، وهي صبوة أرباب الحقائق ، وهي عين الإيمان الحقيقي ، ومن لم يذق من طعم هذه الصبوة ، ولو شيئا قليلا ؛ لم يذق لذّة حقيقية أصلا ، فكان حيوانا في صورة الإنسان ؛ بل أضلّ منه ، فإن بعض الحيوان ؛ كالإبل لها ميل إلى حد : أي لعرب وسكرة من ذلك حتى أنها تقطع بذلك مسافة ثلاثة أيام في يوم واحد . وفي الكلمات المولوية : الصبوة إيماني : أي الإيمان الحقيقي ؛ هو الميل من الزّهد إلى العشق ، ومن الحجاب إلى الكشف ؛ فإن الإيمان ما لم يكن عيانيا ؛ فصاحبه مؤمن من وراء الحجاب ، وأين هو من العيان ؟ وهو عند صاحب الزّهد مذموم ؛ لأنه يقول للعاشق : قد صبا هذا ، ومال من السّنة إلى الإلحاد . وفي الكلمات الأكبرية : جننا مثل مجنون بليلى : أي ابتلينا بالجنون الحقيقي ، كما ابتلى المجنون بالجنون المجازي حتى أدّاه ذلك إلى الابتلاء بالجنون الحقيقي حتى ابتلى بليلى الحقيقة ، وتجاوز عن الميل إلى ليلى المجازية « 1 » .
هامش
( 1 ) فائدة : أثبت الشيخ الجيلي قدّس سرّه في كتاب « الإنسان الكامل » : « للإرادة تسعة مظاهر الأول : هو الميل أيّ : انجذاب القلب إلى المطلوب . والثاني : الولع وهو إذا قوّى ودام ذلك الميل . والثالث : الصبابة وهي إذا اشتدّ الميل ، وأخذ القلب في الاسترسال فيمن يحب . والرابع : الشغف وهو إذا تفرغ القلب للحبيب بالكلية ، وتمكن ذلك منه . والخامس : الهوى وهو إذا استحكم الحب في الفؤاد . والسادس : الغرام وهو إذا استولى حكم الحب على الجسد . والسابع : الحب وهو إذا نما وزادت العللّ المقتضية للميل . والثامن : الود وهو إذا هاج إلى أن ينفى المحب عن نفسه . والتاسع : العشق وهو إذا طفح حتى أفنى المحب والمحبوب » . وقال الشيخ المذكور في هذا المقام : « يرى العاشق المعشوق فلا يعرفه ، ولا يصغي إليه ، كما روي عن -