تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الحقائق — صفحة 578

مساهمون:

ص٥٧٨
وأمّا اليهود والنصارى فقد بيّن في القرآن والحديث أنهم كفار لا اعتداد بإيمانهم باللّه ، وببعض الكتب والرسل ، فلمّا لم يؤمنوا بالشارع المبلّغ إليهم ؛ كانوا كفارا في الشرع والحقيقة ، وكذا المشركون فإن إقرارهم بأن خالق السماوات والأرض ؛ هو اللّه يفيد إيمانا لهم مع بقائهم على الشرك والعناد . وكما أن الذين لم يهاجروا حين كانت الهجرة فرضا ؛ كانوا كفارا بالنص في الحقيقة ، وإن كانوا مؤمنين في الصورة ، ومثلهم من يلقي المصحف في القاذورات ، أو يفعل نحو ذلك مما جعله الشارع إمارة التكذيب ، فلا يعتبر دعوى الإيمان في مثل هذا ، فهم في الفراق في عين الوصل ، فياليتهم أقاموا على الشرائط ، والمسلمون عند شروطهم . وهذا مقام هائل ينبغي أن يكون المرء على حذر منه ، فإن الأمر ليس بالدعوى ؛ بل بالمعنى ، ولن يحصل المعنى إلا بمتابعة الشارع في أمره ونهيه إن كان من شأنه ذلك بأن بلّغ إليه الدعوة ، وأمّا غيره فليس له دعوى ، ولا معنى ، وإنما هو مفوّض إلى سعة رحمة اللّه تعالى .

40 - في صحيح مسلم قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من منح منحة » « 1 »

: أي عطية ، والمراد : منحة اللبن ؛ كالناقة ، والبقرة ، والشاة مما ينتفع بلبنه . وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « عادت تلك المنحة له متلبسة بصدقة ، وراحت الغدو أول النهار إلى الزوال ، والروح من الزوال إلى الآخر » « 2 » ، كما أكد ذلك بقوله : « صبوحها وغبوقها » « 3 » ، منصوبان على الظرفية : أي في أول النهار ، وأول الليل . والإشارة في الحديث : إن اللبن إنما هو لتربية الأجسام ، كما أن العلم إنما هو لتربية الأرواح ، ولا شك أن الصدقة تطفئ غضب الرب ؛ وهو نار جهنم التي أعدّها اللّه تعالى لتعذيب أجساد الفسّاق ، كما أن العلم يطفئ غضب الرب أيضا ؛ وهو نار الجهل والقطيعة التي أعدّها اللّه تعالى لتعذيب أرواح الجهلة والمحجوبين .
هامش
( 1 ) رواه أحمد ( 4 / 285 ) ، والوياني في مسنده ( 1 / 244 ) . ( 2 ) لم أقف عليه . ( 3 ) رواه أحمد ( 2 / 707 ) ، والبيهقي في الكبرى ( 4 / 184 ) .
مرآة الحقائق — صفحة 578 | أحمد فريد المزيدي / الشيخ اسماعيل حقي البروسوي