تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الحقائق — صفحة 580

مساهمون:

ص٥٨٠

41 - في صحيح مسلم : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من نام على حزبه » « 1 » :

: أي غفل عن ورده ، أي ورد كان من قراءة قرآن ، أو صلاة تهجّد أو نحو ذلك من العبادات المقرّبة إلى اللّه تعالى . قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « من الليل » : خصّه بالذكر مع أن الورد لا يختص بوقت ، ولا يتعيّن بمكان لما إنه زمان مناجاة العباد وقت انخراق السرادقات ، وله اختصاص بسكون القلب ، وهدوء الباطن ، وفيه وقع المعراج الصوري والمعنوي ؛ فكانت العبادة فيه أشد على القلب وأصفى ، والتوجه أقوى ، والانكشاف أزيد ، والقربة أوفر ، والوصلة أتمّ ، والواردات أكمل ، ويلحق به أول النهار إلى وقت الضحوة لا ما بعده ، وقد يحصل بعض التجليّات فيما بين العصر والمغرب أيضا ، أو عن شيء منه : أي عن بعض حزبه بألا يسعه الوقت لإتمام كل الورد ، فيبقى باق على النهار ، والقضاء فيه . فإن الفيض الإلهي ؛ كالماء فكما أن الماء إذا انقطع ؛ هلك الإنسان والحيوان ، فكذا الفيض الإلهي إذا انقطع هلك القلب والروح ، ففي القضاء تدارك لما فات ، وفي تركه حرمان عن الماضي ، وعمّا هو آت ، فافهم الإشارة ، ومن اللّه التوفيق والثبات . قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر » ، لا لأنه وقت متسع كما ذهب إليه أهل الظاهر ؛ بل لأنه ملحق بآناء الليل ؛ لقربه منها ، فكما أن وتر النهار وهو المغرب يعدّ من النهار ؛ لاتصاله به حتى أوجب الإفطار للخواص بعد السّلام لا وقت الغروب قبل القيام فافهم الكلام . فكذا وتر الليل يعدّ من الليل ، وإن كان يقام في السّحر الأعلى قرب الانفجار جدا ، ونظيره الخميس والسبت ؛ فإنهما لكونهما طرفي الجمعة أخذا حكمها ، وشعبان وشوال ؛ فإنهما وقعا بين شهر رمضان ، فألحقا به في الحرمة ؛ كصوم شعبان ، وست شوال السارية إلى جميع أجزائه من الأول إلى الآخر ، فإن التجلّي لا ينحصر ، وإنما الانحصار يجيء من القائل .
هامش
( 1 ) رواه مسلم ( 1 / 515 ) ، وابن حبان في صحيحه ( 6 / 370 ) .
مرآة الحقائق — صفحة 580 | أحمد فريد المزيدي / الشيخ اسماعيل حقي البروسوي