في سورة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم
قال اللّه سبحانه :
فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ
[ محمد : 19 ] .
أمر تعالى بالعلم مع أنه هو العالم ، كما أنه هو الشاهد في قوله :
شَهِدَ اللَّهُ
والرامي في قوله :
وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
إشارة إلى ذنب الوجود المغفور ؛ ولذا قال عقيبه :
وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ
[ محمد : 19 ] ، وهي نسبة الوجود التي بها أضيف العلم إليه ، فإذا غفر وستر ؛ كان الوجود وما يتبعه للّه تعالى ؛ وإنما أمره بالعلم مع أن هذه الشهادة أول ما صدر منه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو في مرتبة العقل الأول ، إشارة إلى الفرق بين مرتبتي الروح والجسد ، فمرتبة الروح لكونها مرتبة التجرّد ؛ لا تحتاج إلى التذكير والأمر بالعلم ، وأمّا مرتبة الجسد فكونها مرتبة التعلّق ؛ تحتاج إلى ذلك .
ولذا لمّا خلقه اللّه تعالى ، وهو أول المبدعات قال : ( لا إله إلا اللّه ) ، ولم يقل :
وأنا العبد ؛ لأن تلك المرتبة ليست مرتبة العبودية ؛ بل مرتبة الحامدية بلسان الروح « 1 » .
ولمّا وقع المعراج ، ودخل على اللّه تعالى قال : ( لا إله إلا اللّه أنا العبد ) فأثبت العبودية حينئذ لما يقتضيه الموطن ، فلكل من المواطن اعتبار غير اعتبار الآخر .
ولمّا كانت الألوهية من الإضافات ؛ لأنها تقتضي إلوهية العبد ؛ وقع عليها العلم الذي هو نسبة من النسب أيضا ، وليس فوق مرتبة العلم والألوهية إضافة أصلا ؛ لأن ما فوقها ذات بحت لا اسم هناك ، ولا رسم ، ولا وصف ، فإلى مرتبة الألوهية ينتهي علوم العلماء ، ومكاشفة المكاشفين ، ومن ثمّ حكم على العالم ؛ بل المكاشف أيضا بالحيرة لكنها هي الحيرة الممدوحة الناشئة عن علم وتجلّي ، لا عن جهل واحتجاب ، واللّه الهادي إلى عين ذاته .
هامش
( 1 ) ذكر المصنف - قدس سره - أن السيد الأعظم صلّى اللّه عليه وسلّم هو أول المبدعات أي أول موجود أوجده اللّه .
قلت : ولقد تكلم في تلك المسألة - مسألة أسبقية النور المحمدي - كثير من العلماء الأعلام ، واعتقدها من علمها من المتبعين الكرام ، وشهدها من شهدها ممن يجدد اللّه بهم دينه الإسلام ، من ورثة رسوله عليه من ربه أزكى الصلاة والسّلام ، وإليك طرفا من هذا المقام ليجلي عن عين قلبك غين الأوهام ، وتعلم جزءا مما لنبيك من عظيم القدر وعالي المقام صلّى اللّه عليه وسلّم .